حسين شكران الأكوش العقيلي
المقدمة
تُعدّ زيارة الأربعين للإمام الحسين عليه السلام من أبرز الشعائر الدينية التي تجسّد عمق الولاء الإيماني والارتباط الروحي بين الأمة والإمام الشهيد. وهي ليست مجرد ممارسة شعائرية، بل فعل إصلاحي واعٍ، يُعيد صياغة العلاقة بين الإنسان والمبدأ، بين المواطن والرسالة، وبين التاريخ والهوية.
هذا المقال يُسلّط الضوء على الجذور القرآنية والنبويّة لهذه الزيارة، ويُحلّل أبعادها الفقهية والرمزية في مدرسة أهل البيت عليهم السلام، مستندًا إلى مصادر تفسيرية وحديثية معتبرة، ليُبيّن كيف تحوّلت الأربعين إلى محطة وعي جماعي وموسم بيعة متجددة للحق الإلهي.
أولًا: الأساس القرآني لزيارة الأربعين
رغم عدم ورود لفظ (الأربعين) في سياق زيارة الإمام الحسين عليه السلام بشكل مباشر في القرآن الكريم، إلا أن هناك إشارات قرآنية تؤسس لمبدأ إحياء الذكرى وتعظيم الشعائر، منها:
1. تعظيم الشعائر الإلهية
قال تعالى:
> (ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ) (الحج: 32)
وقد فسّر السيد الطباطبائي في تفسير الميزان أن الشعائر تشمل كل ما يرتبط بالله تعالى من رموز ومواقف، ومنها إحياء ذكرى الشهداء الذين ضحّوا في سبيل الدين، وعلى رأسهم الإمام الحسين عليه السلام.
2. إحياء أيام الله
قال تعالى:
> (وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ) (إبراهيم: 5)
وقد أورد العلامة المجلسي في بحار الأنوار أن من أيام الله يوم عاشوراء، ويوم الأربعين الذي يُجسّد استمرار الوعي الحسيني في الأمة.
3. رمزية الرقم أربعين في القرآن
قال تعالى:
> (وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ…) (الأعراف: 142)
وقد أشار الشيخ عبد الهادي الفضلي في دراسته (زيارة الأربعين في ضوء الفكر الإمامي) إلى أن الرقم أربعين يحمل دلالة تربوية، ويُعبّر عن اكتمال الحزن والوعي بعد مرور أربعين يومًا على شهادة الإمام.
ثانيًا: توثيق زيارة الأربعين في السنة النبوية والإمامية
مدرسة أهل البيت عليهم السلام أولت زيارة الأربعين اهتمامًا خاصًا، واعتبرتها من علامات المؤمن، كما ورد في حديث الإمام الحسن العسكري عليه السلام:
(علامات المؤمن خمس: صلاة إحدى وخمسين، وزيارة الأربعين، والتختم باليمين، وتعفير الجبين، والجهر ببسم الله الرحمن الرحيم.)
> (الوسائل، الحر العاملي، ج14، أبواب المزار)
هذا الحديث يُعدّ نصًا تأسيسيًا في الفقه الإمامي، ويُبرز زيارة الأربعين كهوية إيمانية لا تنفصل عن جوهر الانتماء لمدرسة أهل البيت عليهم السلام.
كما وردت روايات متعددة عن الإمام الصادق عليه السلام تؤكد فضل زيارة الحسين عليه السلام في الأربعين، منها:
(من زار الحسين عليه السلام يوم الأربعين، كان كمن زار الله في عرشه.) (تهذيب الأحكام، الشيخ الطوسي، ج6)
وقد وثّق الشيخ الكليني في الكافي هذه الروايات ضمن باب زيارة الحسين عليه السلام، مؤكّدًا على استحبابها وفضلها العظيم.
ثالثًا: البعد الفقهي والرمزي للزيارة
زيارة الأربعين ليست مجرد تقليد شعبي، بل هي ممارسة فقهية ذات أبعاد إصلاحية، تتجلى في:
1. تجديد البيعة للإمام الحسين عليه السلام
كما أشار باقر شريف القرشي في موسوعة الإمام الحسين عليه السلام، فإن الزائر يُعلن انتماءه لنهج الحسين، ويُجدد رفضه للظلم والانحراف، ويُبايع الحق الإلهي في كل زمان.
2. إحياء الذاكرة الجماعية للأمة
الزيارة تُعيد للأمة وعيها التاريخي، وتُذكّرها بأن الدماء الزكية لا تُنسى، وأن الشهادة هي طريق الإصلاح الحقيقي، كما بيّن ذلك الشيخ حسن الصفار في كتابه الأربعين الحسيني: قراءة في البعد الاجتماعي والسياسي.
3. تجسيد الوحدة الروحية بين الشعوب
ملايين الزائرين من مختلف الجنسيات والمذاهب يسيرون نحو كربلاء، في مشهد يُجسّد وحدة الأمة حول قيم التضحية والكرامة، وهو ما وثّقته دراسات ميدانية منشورة في مجلة تراث أهل البيت.
رابعًا: زيارة الأربعين كحركة إصلاحية شعبية
في العصر الحديث، تحوّلت زيارة الأربعين إلى ظاهرة اجتماعية وسياسية، تُعبّر عن:
1. رفض الاستبداد والطغيان
الزائرون يُعلنون ولاءهم للحسين، الذي وقف بوجه الظلم، ويُعبّرون عن رفضهم لكل أشكال الفساد والهيمنة، كما أشار لذلك السيد الطباطبائي في تفسيره لمفهوم (الاستقامة) في قوله تعالى: “فاستقم كما أمرت) (هود: 112).
2. إحياء الهوية الوطنية والدينية
الزيارة تُعيد تشكيل الهوية العراقية والإسلامية، وتُعزز الانتماء إلى قيم التضحية والعدالة، وهو ما أكّده الدكتور الفضلي في تحليله الرمزي للزيارة.
3. بناء الثقة بين المواطن والدولة
من خلال تنظيم الزيارة، وخدمة الزائرين، يُعاد بناء جسور الثقة بين الشعب ومؤسسات الدولة، في مشهد يُجسّد روح الخدمة العامة، كما تم الإشارة إليها في مقالالتي الإصلاحية حول دور الموظف المدني في بناء الثقة الوطنية.
خاتمة
زيارة الأربعين ليست مجرد مسيرة نحو كربلاء، بل هي مسيرة نحو الذات، نحو الحق، نحو الله. إنها تجلٍّ حيٌّ للولاء الإلهي، وموسم إصلاحي يُعيد للأمة وعيها وهويتها.
ومن هنا، فإن توثيق هذه الزيارة من خلال القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة، يُعدّ واجبًا فكريًا وروحيًا، يُسهم في ترسيخها كجزء من وجدان الأمة، وكشعيرة إصلاحية متجددة.
قائمة المصادر والمراجع
1. القرآن الكريم
2. الكافي – الشيخ الكليني، ج4، باب زيارة الحسين عليه السلام، دار الكتب الإسلامية، طهران
3. تهذيب الأحكام – الشيخ الطوسي، ج6، باب فضل زيارة الحسين عليه السلام، مؤسسة النشر الإسلامي، قم
4. وسائل الشيعة – الحر العاملي، ج14، أبواب المزار، مؤسسة آل البيت لإحياء التراث، قم
5. بحار الأنوار – العلامة المجلسي، ج98، باب زيارة الأربعين، دار إحياء التراث العربي، بيروت
6. تفسير الميزان – السيد الطباطبائي، مؤسسة النشر الإسلامي، قم
7. زيارة الأربعين في ضوء الفكر الإمامي – د. عبد الهادي الفضلي، مجلة تراث أهل البيت، العدد 12
8. الأربعين الحسيني: قراءة في البعد الاجتماعي والسياسي – د. حسن الصفار، دار المحجة البيضاء، بيروت، 2015
9. موسوعة الإمام الحسين عليه السلام – باقر شريف القرشي، ج2، دار التعارف، بيروت
10. مقالات إصلاحية – حسين شكران الأكوش العقيلي، منشورة في صحيفة صوت الامة العراقية الإلكترونية