القمامة التي تكشف الوعي: قراءة نقدية في سلوك رمي النفايات خارج مواضعها

حسين شكران الأكوش العقيلي

في زاوية من زوايا المدينة، حيث تتقاطع الأرصفة مع أنفاس المارة، تتراكم النفايات كأنها رسائل صامتة من مجتمع يئن تحت وطأة غياب الوعي. ليست القمامة مجرد فضلات تُلقى، بل هي انعكاس صارخ لحالة ذهنية، وثقافة متجذرة، وسلوك يتجاوز الفعل العابر ليغدو دلالة على خلل أعمق في منظومة القيم والتربية والرقابة.

رمي النفايات في غير الأماكن المخصصة لها ليس فعلاً عشوائيًا فحسب، بل هو تعبير عن علاقة مأزومة بين الفرد والمكان، بين المواطن والمسؤولية، بين الإنسان والبيئة التي تحتضنه. حين تُلقى علبة فارغة من نافذة سيارة، أو تُرمى بقايا الطعام على قارعة الطريق، فإن ذلك لا يُعبّر عن لحظة تهاون، بل عن تراكم طويل من الإهمال التربوي، والقصور التوعوي، والتطبيع مع الفوضى.

إن هذا السلوك، في جوهره، لا يرتبط فقط بالنظافة، بل يتصل اتصالًا وثيقًا بمفهوم الانتماء. فالفرد الذي يشعر بأن الشارع ليس له، وأن الأرصفة ليست امتدادًا لبيته، لن يتردد في تلويثها. بينما من يرى في المكان مرآة لذاته، لن يجرؤ على تشويهه. وهنا تتجلى أزمة الانتماء، لا بوصفها شعارًا سياسيًا، بل كقيمة يومية تُختبر في أبسط التصرفات.

ولعل المفارقة المؤلمة أن كثيرًا من المجتمعات التي تعاني من هذه الظاهرة تمتلك إرثًا حضاريًا عظيمًا، وتاريخًا زاخرًا بالقيم التي تمجد النظافة، وتربطها بالإيمان، وتعتبرها من علامات الرقي. لكن هذا الإرث، حين يُفصل عن الواقع، ويُختزل في الشعارات، يفقد قدرته على التأثير، ويتحول إلى زخرفة لفظية لا تصمد أمام سلوكيات يومية مشوهة.

إن رمي النفايات في غير مواضعها يكشف أيضًا عن خلل في العلاقة بين الفرد والقانون. فغياب الردع، وتراخي الرقابة، وتسامح المجتمع مع هذه التصرفات، يجعلها تتكاثر بلا خوف أو خجل. وحين يغيب العقاب، يتآكل الوعي، وتُستباح الأماكن العامة كما لو كانت بلا صاحب، بلا قيمة، بلا روح.

لكن الحل لا يكمن فقط في فرض الغرامات أو زيادة عدد الحاويات، بل في إعادة تشكيل الوعي الجمعي، وتغذية الشعور بالمسؤولية، وتربية الأجيال على احترام المكان بوصفه امتدادًا للذات. فالنظافة ليست مهمة عامل البلدية وحده، بل هي فعل جماعي، يبدأ من البيت، ويُترجم في الشارع، ويتجلى في المدرسة، ويُكرّس في الإعلام، ويُحتضن في القانون.

إننا حين نناقش هذه الظاهرة، لا نبحث عن تبريرات، بل عن جذور. ولا نكتفي بوصف المشكلة، بل نغوص في بنيتها النفسية والاجتماعية والثقافية. فالنفايات التي تُرمى خارج أماكنها ليست مجرد أوساخ، بل هي شظايا من وعي متكسر، وصدى لفجوة تربوية، وصرخة من مكان يطلب الاحترام.

وإذا أردنا أن ننهض، فعلينا أن نبدأ من التفاصيل الصغيرة. من تلك الورقة التي تُرمى في غير مكانها، من تلك النظرة التي تتغاضى عن الخطأ، من تلك الكلمة التي تُقال لتبرير السلوك. فالمجتمعات لا تنهار بفعل الكوارث الكبرى وحدها، بل تتآكل بصمت تحت وطأة العادات السيئة التي تُمارس يوميًا دون مساءلة.

في النهاية، فإن القمامة التي تُلقى في غير مواضعها، ليست مجرد نفايات، بل هي مرآة تعكس صورة مجتمع يحتاج إلى مراجعة، وإلى يقظة، وإلى ثورة داخلية تعيد ترتيب العلاقة بين الإنسان والمكان، بين السلوك والقيمة، بين الفعل والوعي.