علي المؤمن
يمثل عصر صعود الشيعة، الذي بدأ في العام 1979، تحولاً تاريخياً غير مسبوق، مليئاً بالإنجازات والمكاسب النوعية في جميع المجالات. وقد رافق ذلك عقبات وتضحيات نوعية أيضاً؛ إذ لا ينفصل أي إنجاز نوعي أو طفرة حضارية أو مخاض ولادة عن الأوجاع والآلام المصاحبة له.
لقد تأسس هذا العصر الذهبي العالمي على نظرية الإمام الخميني النهضوية، وبجهوده وقيادته. ثم استمر في التقدم والصعود والنهوض بعد وفاته، ليغدو له حضور قوي في أكثر من بلد، وخاصة إيران ولبنان والعراق وسوريا واليمن والبحرين وأفغانستان وأذربيجان والهند وباكستان ونيجيريا. وبالتالي؛ فإن ما يعيشه الشيعة من حراك قوي فاعل ومؤثر في منطقة الشرق الأوسط، وكثير من دول العالم، هو بفضل نتاج النهضة التي صنعها عظيم الأمة الشيعية، الإمام الخميني، فضلاً عن أفكار وجهود رجال النهضة الكبار، كالسيد محمد باقر الصدر، والسيد موسى الصدر، والشيخ مرتضى المطهري، والسيد محمد بهشتي، والسيد محمد الصدر، والسيد علي الخامنئي، والسيد علي السيستاني وغيرهم.
إن الصعود الذي يعيشه الشيعة حالياً ليس له نظير في تاريخ غيبة الإمام، ربما باستثناء فترات معينة كعصور الشيخ عثمان العمري والشيخ أبي جعفر الطوسي والسيد إسماعيل الصفوي. فقد شهد عهد الشيخ عثمان العمري تأسيس النظام الاجتماعي الديني الشيعي في عصر الغيبة، وهو عمل تأسيسي جبار حافظ من خلاله الشيخ العمري العظيم على كيانية الشيعة وعمل على تطويرها وتمددها. أما الشيخ الطوسي، فقد أسس مركزية النجف الأشرف وبلور الشبكة الشيعية العالمية، وأعاد مأسسة النظام الاجتماعي الديني الشيعي العالمي بصورته التي يعيشها الشيعة اليوم. في حين شهد العهد الصفوي صعوداً هائلاً للشيعة ونظامهم الاجتماعي الديني وحوزاتهم الدينية وحركتهم العلمية الحضارية، وتوسع كيانيتهم شرقاً وغرباً، ليس في منطقة الشرق الأوسط والمنطقة العربية وحسب، وإنما في القوقاز وشبه القارة الهندية وشرق آسيا.
وقد رافقت عصور الصعود هذه حملات تبليغية كبيرة قادها علماء الدين والمبلغون والناشطون الشيعة لتقوية الشيعة عقيدياً، ورص صفوفهم، وتوعيتهم بالمصير المشترك، وتطبيعهم على الصعوبات والتضحيات التي ترافق عملية الصعود والنهوض، ورصد الحملات الدعائية التي يقودها الخصوم الطائفيون، كالعباسيين والأيوبيين والسلاجقة والأوزبك والتيميين وبقايا الأمويين وغيرهم، من أجل تفتيت الواقع الشيعي وبث الفتن داخله وإضعافه معنوياً وعقيدياً وعسكرياً. وكانت أشرس حملات الدعاية المضادة هي تلك التي دارت رحاها في العراق والحجاز والشام ولبنان، إذ كان الخصوم الطائفيون، بحكم الجوار الجغرافي، يعتبرون أن الشيعة العرب يمثلون خاصرة رخوة يمكن الضغط عليها لضرب الواقع الشيعي برمته.
(للمقال تتمة غدا)