دولة شمع .. بلا درع: كيف بدّدت المحاصصة 22 عامًا من فرصة بناء دفاع جوي عراقي؟

ضياء المهندس

في بلدٍ أنفق مليارات الدولارات على الأمن منذ 2003، ما زال العراقيون يسمعون اليوم تصريحات رسمية تُقِرّ بوجود فجوات قاتلة في الدفاعات، وأن العراق عاجز عن الردّ الجوي الفعّال إذا تعرّض لعدوان. هذه النتيجة ليست قدرًا، بل حصيلة نظام محاصصة راكم السرقات والصفقات الرديئة وغياب التخطيط طويل الأمد.

أسئلة مشروعة بعد 22 عامًا

إذا كانت الأولوية القصوى لأي دولة هي حماية سمائها ومدنها وبُناها، فماذا كان يفعل من تعاقبوا على القرار الأمني طوال أكثر من عقدين؟ لماذا لا يملك العراق حتى اليوم شبكة دفاع جوي متكاملة (رادارات قيادة وسيطرة + طبقات صواريخ قصيرة/متوسطة المدى + مقاتلات جاهزة) تكفي لردع أي اعتداء أو لتقليل كلفته على المدنيين؟

حتى قيادات في الدولة تحدّثت مؤخرًا عن “الحاجة لتجهيز العراق بمنظومات دفاع جوي حديثة”، ما يعكس فجوة مؤسفة لم تُسدّ طوال السنوات الماضية.

ماذا تقول الأرقام؟

الإنفاق العسكري الكلي: قُدِّر إنفاق العراق العسكري في 2025 بنحو 6.2 مليارات دولار، أي قرابة 1.9% من الناتج المحلي وحوالي 0.2% من الإنفاق العسكري العالمي، وهي نسبة متواضعة قياسًا بحجم التحديات الأمنية وحدود البلاد الشاسعة.

ثغرة الدفاع الجوي:

 بعد سنوات من التردد والتسييس، لجأت بغداد في أواخر 2024 إلى عقد مع كوريا الجنوبية لاقتناء منظومات دفاع جوي Cheongung-II / KM-SAM بقيمة 2.8 مليار دولار، مع بدء التحضير للاستلام في 2025—أي أننا نتعامل الآن مع سدّ فجوة متأخر بدل أن يكون هذا المشروع قد أُنجِز قبل سنوات.

الإنفاق الأمني غير الشفاف:

بينما تُنشر تفاصيل إنفاق وزارتي الدفاع والداخلية بشكل دوري، يبقى إنفاق هيئة الحشد الشعبي أقل شفافية؛ وتقديرات مراكز أبحاث تشير إلى أنّ موازنته قاربت 3.5 مليارات دولار سنويًا، ما يفرض عبئًا رقابيًا وماليًا يستدعي الإصلاح والدمج المؤسسي.

مؤشر الفساد:

العراق سجّل درجة 26/100 في مؤشر مدركات الفساد 2024 واحتل المرتبة 140 من 180، أي أن الهدر والرشوة ما زالا يعصفان بسلاسل التعاقد والتجهيز والصيانة، وهي الحلقات التي تُقوِّض الجاهزية أكثر من نقص الأموال وحده.

 الخلاصة من هذه الأرقام:

المشكلة ليست في “انعدام الموارد” بقدر ما هي في سوء الإدارة والتسييس والفساد الذي عطّل خطط التسلّح والصيانة والتدريب، وبدّد استثمارات مفترضة في رادارات ومنظومات دفاع جوي ومقاتلات ودعم لوجستي.

أين تعطّل البناء؟

1. المحاصصة قبل الكفاءة:

 توزيع المناصب الأمنية واللوجستية على أسس حزبية أضعف قرار الشراء والاختيار الفني للمعدّات، وقدّم إرضاء الكتل على حاجة السماء.

2. تجزئة القرار العسكري:

 تعدّد مراكز القوى الأمنية خلق ازدواجية في المشتريات والعقود، وأضعف الدمج التشغيلي داخل قيادة وسيطرة واحدة (IADS).

3. دورات صيانة وتدريب غير منتظمة:

عقود التسليح دون بنود صارمة للصيانة وقطع الغيار والتدريب المستمر تُحوّل المعدّات إلى خردة باهظة.

4. غياب الشفافية:

بيئة فساد موثّقة دوليًا تعني عقودًا مُسعّرة بأعلى من قيمتها، ومشاريع متأخّرة، ومكوّنات لا تصل أو لا تعمل.

ما العمل؟

 (برنامج إصلاح واقعي على ثلاث مراحل)

أولًا: إجراءات فورية (0–6 أشهر)

إعلان خطة وطنية للدفاع الجوي بقيادة عمليات موحّدة تربط الرادارات والإنذار المبكر ومنظومات قصيرة/متوسطة المدى والمقاتلات في شبكة قيادة وسيطرة واحدة؛ نشر الجدول الزمني علنًا ومراجعته ربع سنويًا.

تفعيل عقد الـKM-SAM بالكامل مع ضمان حزمة تدريب وصيانة وقطع غيار 7–10 سنوات، وربطها بعقود أداء (SLA) جزاءاتُها واضحة على المورّد.

تدقيق طارئ لعقود التسليح خلال السنوات الخمس الماضية بواسطة لجنة مشتركة (ديوان الرقابة + هيئة النزاهة + خبراء مستقلين)، ونشر الملخّص العلني.

وقف الازدواجية عبر نقل كل منظومات الدفاع الجوي تحت قيادة الدفاع الجوي في وزارة الدفاع حصريًا، مع قنوات تنسيق عملياتية مع باقي التشكيلات.

ثانيًا: بناء الطبقات والجاهزية (6–24 شهرًا)

طبقة قصيرة المدى (SHORAD): سدّ الثغرات حول المدن والمنشآت الحيوية (محطات كهرباء، جسور، قواعد) بمنظومات قصيرة المدى ومدافع م/ط مدمجة مع رادارات تكتيكية.

طبقة متوسطة المدى (MRAD): الإسراع في إدماج بطاريات KM-SAM وتشبيكها مع رادارات ثلاثية/أربعية الأبعاد قادرة على تغطية الارتفاعات المتوسطة والتهديدات الجوية الحديثة.

المقاتلات والجاهزية:

 خطة صيانة وتموين ذكية للأسطول الموجود، مع تدريب أطقم الصيانة والطيارين على الجدولة القائمة على الحالة (CBM) لرفع الجاهزية الفعلية لا “الاسمية”.

رادارات وإنذار مبكر: نشر رادارات بعيدة المدى وتغطية الفجوات، وربطها بمراكز قيادة وسيطرة طبقية.

ثالثًا: تجفيف الفساد وبناء الصناعة (على 3–5 سنوات)

شفافية العقود:

إلزام جميع عقود التسليح والدعم اللوجستي بنشر الأسعار المرجعية، والربط العلني لمراحل التسليم والتشغيل وفحوص القبول.

مأسسة الرقابة:

 إدراج هيئة الحشد وباقي التشكيلات ضمن قواعد الإفصاح المالي نفسها المفروضة على وزارتي الدفاع والداخلية، مع رقابة برلمانية ومالية موحّدة.

تعميق التصنيع المحلي:

 الطائرات المسيرة وتوطين قطع الغيار والخدمات الفنية البسيطة (الكوابل، الهياكل، الصيانة الإلكترونية الأساسية)، بشراكات نقل تقنية، لتقليل التبعية.

مؤشر أداء أمني سنوي علني يربط التمويل بالنتائج: نسبة الجاهزية، زمن الاستجابة، نسبة التغطية الرادارية، معدلات التدريب وساعات الطيران.

كلمة أخيرة

لا يحقّ لمن بدّد 22 عامًا من الفرص أن يُطالب الناس بالصبر على “الظروف”. السماء التي بلا درع ليست قدرًا؛ هي نتيجة مباشرة للمحاصصة والرشوة وضعف الحوكمة. الإصلاح ليس شعارًا: هو قرارات واضحة في الشراء، والصيانة، والقيادة، والشفافية. المال موجود، والدليل عقود بمليارات الدولارات تُوقّع اليوم لتدارك ما كان يجب أن يُنجَز أمس. فليكن هذا آخر “تدارك متأخر” — ولتكن البداية شبكة دفاع جوي عراقية حديثة، شفافة، وفعّالة.

البروفسور د.ضياء واجد المهندس

رئيس مجلس الخبراء العراقي