عز الدين البغدادي
لقد عالج نيتشه مشكلة تمدّد الله وإزاحته للإنسان، إنها مشكلة جعلت الإنسان ضعيفا مُستَرخيا لا يريد أن يكتشف ما بداخله من طاقة ما دام هناك من ينوب عنه.
لقد أستطاع نيتشه أن يستكمل العمل ويتمّ الخطوة الناقصة التي لم يجرؤ أحد على خطوها عندما نقل الإيمان من الله ليصل به إلى الإنسان، ليدعو إلى أن يستكشف الإنسان طاقته، ربّما لم يكن نيتشه يعلم بأنّه مؤمن في أعماقه، وربّما كان نيتشه واعيا عندما قال: منذ أن اختفى الله أمست العزلة لا تطاق.
لقد رفض نيتشه وجود الله، بل أعلن أنه قد مات!! إلا أنّ موت الإله جعل الرجل يصاب بحزنٍ أوصله إلى حدّ الجنون حزنا على إلهه الذي أعلن موته، وقليل من الناس من يدرك أن نيتشة جنّ من فرط حزنه على إيمانه الذي مات مع موتِ إلهه.
وحقّا، فهناك كثير من المؤمنين، تجد أحدهم يصلي ويصوم ويحج ويسبّح، إلا أنّه لا يشعر بشيء مما شعر به هذا الرجل الملحد.
إنّ هذا ما يجعل المؤمن يعيد النظر في فهمه للإلحاد، وهو يبيّن لكثير من الملاحدة السذّج جدا في هذا الزمن أنّ فيلسوفا بحجم نيتشه كان يعرف قيمة فكرة الله، بقدر ما كان يعرف خطرها لاسيّما عند المتكاسلين أو عند القتلة الّذين يبطشون بالناس باسم الله.
لقد صنع تديّن رجال الدين مفاهيم تجعل الإنسان كائنا ضعيفا، يجد تبريرا للكسل وللضعف، فكلّ شيء سيأتي من الله، وكلّ شيء مكتوب. ونسي هؤلاء أنّ الله خلق الإنسان على صورته، وأنّ الإنسان يمكن بذلك أن يكون قويّا ومتألّقا.
وعلى هؤلاء ثار نيتشه، ليظهر أنّ الإنسان يمكن أن يكون مؤثّرا وفاعلا، وهذا ما خدم المؤمن وجعل له ثقة بنفسه كإنسان. فالإيمان لا يقترن بالعجز والخَوَر، بل بالقوّة والفعل، وهذا ما عجز رجال الدين عن كشفه بل عن فهمه.
إذن، لا تستغرب أن تسمع من يسألك: هل كان نيتشه وفُويرباخ ملحدين؟ هل كان فكرهما هدّاما للدين أم بنّاء له؟ لكن، قليل من الناس من يفهم بأنّ مثل هذا الطرح كان تأييدا ودعما هامّا للدين، وأنّه كشف الخلل الموجود عند رجال الدين.
عز الدين البغدادي