رأي حول لقاء أحمد الشرع مع بتريوس

كامل سلمان

الحوار الذي جرى وجهاً لوجه وأمام شاشات التلفزة بين الرئيس السوري أحمد الشرع والجنرال المتقاعد ديفيد بيتريوس لم يكن حواراً تلفزيونياً تقليدياً بل هو استجواباً وتحليلاً لشخصية أحمد الشرع حول تطلعات الحكومة السورية للمرحلة المقبلة خاصة وأن سوريا تمر بمنعطفات بالغة الأهمية والحساسية ، الحوار من ناحية ثانية يعتبر دعماً معنوياً كبيراً لحكومة الشرع نظراً لمكانة بتريوس المرموقة في الأوساط العسكرية والاستخباراتية الأمريكية ، ولم يسبق لبتريوس أن حاور أحداً من قبل وأمام الإعلام لأنه هو وحده رمز كبير للأمة الأمريكية فبتريوس هو جنرال عسكري أمريكي متقاعد اشتهر بذكائه الحاد وشخصيته القوية وذاكرته التي لا تخطئ حتى قيل عنه أنه لا ينسى أي محضر اجتماع ولو بعد سنين وكان قائداً للقوات الأمريكية في الشرق الأوسط والعراق في عهد أوباما وخلال ترأسه لقوات التحالف الدولي في العراق قام بتأسيس الصحوات في مناطق غرب العراق لمواجهة تنظيم القاعدة وكذلك في عهده تم إطلاق سراح عدداً من المعتقلين من بينهم احمد الشرع من زنزانات الاعتقال في العراق فهو رجل مخضرم وله سمعة عسكرية طيبة داخل الولايات المتحدة الأمريكية وقد قالت عنه الصحف الأمريكية حينها بأنه القائد الأكثر ذكاءاً من بين جنرالات العصر الحديث وبناءاً على ذلك أختاره الرئيس الأمريكي باراك أوباما ليكون على رأس جهاز المخابرات الأمريكية ال ( CIA ) . في هذا الحوار لم يخفي بتريوس اعجابه بأحمد الشرع حيث قال له ( لقد كان تقييمي لك شخصياً ولتنظيم هيئة تحرير الشام صائباً عندما وضعتكم في خانة مختلفة عن خانة القاعدة وداعش رغم راديكالية تنظيمك الإسلامي وها نحن اليوم نلمس هذا الفارق فأنت اليوم لك معجبين في كل مكان وأنا أحدهم )، هذا الإعجاب يعيدنا إلى الإعجاب الذي أبداه جون كيري وزير الخارجية الأمريكي في فترة رئاسة أوباما لقاسم سليماني ، فلا نعرف إعجاب سلبي أم إعجاب إيجابي لأننا نتذكر جيداً مصير سليماني بعد الإعجاب . الشرع بدوره لم يخفي فرحته وزهوه بهذا اللقاء وكان حديثه دبلوماسياً مرناً هادئاً في إجاباته للأسئلة التي طرحت عليه وحاول التملص من بعض الأسئلة التي تتطلب صراحة مطلقة بالإجابات لكنه رغم ذلك أضطر أن يبين بأن هناك محادثات مباشرة مع الجانب الإسرائيلي لبناء سلام شرق أوسطي وبناء مستقبل زاهر مع الدولة العبرية خالية من الحروب تعززه المصالح المشتركة بين الدولتين وكان واقعياً في إجاباته ومنفتحاً على العالم الغربي وخاصة الولايات المتحدة الأمريكية وعلى استعداد ليكون صديقاً وحليفاً مع الغرب أسوة بالدول العربية الأخرى ، أما السؤال الأكثر إحراجاً والذي لم يجب عليه أحمد الشرع هو عندما سأله بتريوس حول تورط حكومته وتورط داعميه ( ويقصد تركيا ) في المجازر التي حصلت في الساحل ومع الكورد والدروز فقد أكتفى الشرع بالإشارة إلى خطورة تنظيم قسد المسلح ليس على سوريا فقط بل على العراق وتركيا ( طبعاً ذكر أسم العراق غير مناسب لأدعاءاته لأن العراق يعتبر قسد مصد يحمي الحدود العراقية ضد الإرهاب )وكأنه يقول القرار حول مستقبل الكورد ليس بيدي وإنما بيد تركيا ، هذا يعني بأن الاعتراف بحقوق الكورد غير وارد في تقديراته ، فكان تركيز كلامه على حصر السلاح بيد الدولة وتجريد الكورد والدروز وغيرهم من السلاح لأنه أعتبر الاستقرار الأمني من الأولويات ، كذلك لم يجب الشرع على سؤال حول حقوق الأقليات وأكتفى بالقول بأنهم ضمن الدولة السورية وحالهم حال بقية الشعب السوري . أحمد الشرع في حواره مع بتريوس غلق الأبواب بوجه الفيدرالية والحكم الذاتي وأعتبر ذلك تقسيماً لدولة سوريا ، فالسؤال هنا هل سيسمح الغرب لأحمد الشرع بأن يحرم الأقليات السورية من حقوقها بحجة وحدة الأراضي السورية ؟ أم أن الأقليات ستكون لها كلمة أخرى علماً بأن حكومة الشرع حالياً تحصل على دعم سياسي كبير من المجتمع الدولي وخاصة الدول العربية ، فسوريا الشرع صارت سبباً للتقارب بين الدول العربية وتركيا لتطابق الرؤى والمصالح حول سوريا فأصبحت مصر والسعودية والأردن ودول الخليج أصدقاء مقربين لتركيا بعد العداء التأريخي الطويل . وأخيراً يمكننا القول بأن هذا الدعم الدولي الكبير الواسع لحكومة أحمد الشرع لا ينطلق من فراغ ولابد أن يكون له مبرراته وخفاياه ، فهل سيكون للشرع دور محوري مهم في أحداث المنطقة في قادم الأيام ، أم أنها مجرد استعراضات إعلامية ؟ سنرى ذلك في المستقبل القريب .