رياض سعد
في عالم العلاقات الإنسانية، تبدو ظاهرة الأصدقاء والأصحاب كخريطة متشابكة من البيوت والدور، لكل بيت منها طابع وروح وأثر في النفس… ؛ فالصداقة ليست مجرد تلاقي أشخاص في الزمن، بل هي تلاقٍ في القيمة، وفي الموقف، وفي الصدق الذي يُختبر عند أول عاصفة… ؛ نعم : بعض الأصدقاء يشبهون بيتًا دافئًا نحتمي به من عواصف الأيام، وبعضهم جدارًا هشًا ما إن نطرق عليه حتى يتهاوى صدى أجوف، فيكشف عن زيفٍ كنا نغفل عنه.
*الأصدقاء أنواع كما هي البيوت:
فهناك صديق يستحق الترميم، لأنه أخطأ أو تقادم عليه الزمن، لكنه لا يزال يسكن القلب بصدقٍ قديم، نعيد ترميم العلاقة معه كما نصلح سقفًا تقادم عليه المطر… ؛ نغفر له الزلات لأن أساس العلاقة كان نقيًا، لأن في قلبه وفاءً لا تراه إلا حين تخفت الأضواء.
وهناك صديق يستحق الهدم وإعادة البناء، لأن العلاقة معه كانت قائمة على وهم، أو مصالح، أو أنانية متنكرة في هيئة الود… ؛ و هذا النوع لا يُصلح بالطلاء ولا بالكلمات الطيبة، بل يحتاج إلى هدم كامل وبناء جديد على أرض أكثر صدقًا وعدلًا.
وهناك من ينبغي أن يُؤجر للآخرين، لا لأننا نكرهه، بل لأن وجوده مؤقت، لا يصلح للإقامة الدائمة في القلب… ؛ هو زائر عابر، يدخل ليتعلم ويُعلّم، لكنه لا يبقى… ؛ مثله مثل بيتٍ نمنحه لمن يحتاج المأوى، كي يعرف الفرق بين من كان ساكنًا دائمًا في قلوبنا، ومن كان مجرد عابر طريق.
أما النوع الأخير، فهو الذي نكتب على بابه: دار للبيع، لأننا اكتشفنا أن هذه العلاقة لم تعد تخصنا، ولا تستحق أن نبقيها ملكًا لنا… ؛ فهي علاقة استنفدت أغراضها، واستنزفت مشاعرنا، فبيعها هو شكل من أشكال التحرر النفسي … ؛ و خطوة شجاعة نحو النقاء الداخلي.
من الناحية النفسية، تمثل الصداقة مرآة عميقة للنفس البشرية؛ فاختيارنا لأصدقائنا هو في جوهره اختيارنا لأنفسنا… ؛ نحن نميل إلى من يشبهنا في القيم أو في الجراح أو حتى في التناقضات… ؛ لكننا ننسى أحيانًا أن الصداقة ليست عقدًا أزليًا، بل تجربة تتغير بتغير الوعي والنضج والمواقف… ؛ فحين نكبر، ندرك أن بعض الأصدقاء لم يكونوا سوى “إسعافات مؤقتة” في مراحلنا الصعبة، وأن الارتباط بهم بعد زوال الألم يشبه السكن في بيت انتهى عمره الافتراضي.
أما اجتماعيًا، فظاهرة الأصدقاء تتجاوز الأفراد لتكشف طبيعة المجتمع نفسه: مجتمع العلاقات السطحية سينتج صداقات هشة، ومجتمع الوعي سينتج صداقات ناضجة تقوم على المشاركة والفهم المتبادل لا على المصلحة والرياء… ؛ و في زمن التواصل السريع، صارت الصداقة أحيانًا سلعة رقمية تُباع بالمجاملات وتُشترى ب (اللايكات ) الاعجابات ، فتتراجع قيم الوفاء والصدق أمام استعراضات الود الزائف.
لكن، رغم كل ذلك، تبقى الصداقة الحقيقية مأوى النفس ودفء الوجود… ؛ إنها الدار التي لا تباع ولا تؤجر ولا تُهدم، لأنها مبنية على أسس من الصدق والرحمة والذاكرة المشتركة… ؛ ومتى وجدنا صديقًا كهذا، وجب أن نحافظ عليه كما نحافظ على بيتٍ عتيق، تسكنه أرواحنا قبل أجسادنا.
فليست كل الدور تُسكن، كما ليست كل الصداقات تُحيا… ؛ وبعض القلوب — شأنها شأن البيوت — لا تُعرف قيمتها إلا حين نغادرها.