عراقكم معلّق على ‘سِلْك’ في صراع قوى “الدولة العميقة” للتحكم بمستقبل الإنترنت وتهديد الأمن القومي؟

صباح البغدادي

في خطوة أثارت عاصفة من الجدل وغضباً شعبيا واضحا وواسعا من على مختلف منصات التواصل الاجتماعي، بعد أن كشفت وثائق ومستندات رسمية مسربة مفادها بأن : وزارة الاتصالات العراقية منحت عقوداً مباشرة لصيانة الشبكة الوطنية للكابل الضوئي وإنشاء شبكة بديلة جديدة لشركة “المهندس العامة للمقاولات” التابعة لـ”هيئة الحشد الشعبي”، ومن دون إجراء مناقصات علنية تتسم بالشفافية والنزاهة والكفاءة , مما أثار مخاوف جدية من شبح الفساد المالي والإداري واختراق واضح وصريح للسيادة الرقمية للبلاد. ولأن قرار التسليم العطاء المناقصة المباشر دون المرور بالإجراءات والقوانين المرعية لمثل تلك الحالات قد تجاوز بصورة فاضحة جميع الضوابط الحكومية المعمول بها، والتي تشترط إجراء مناقصات علنية ومنشورة بموقع الوزارة والصحف الرسمية وضمان لمبدأ الاستقلالية والتنافسية العادلة والمشروعة والشفافية والنزاهة والكفاءة ومما يعني بالنتيجة الى ان تنفيذ مثل تلك المشاريع المهمة لجهات من غير الاختصاص والتجربة الميدانية والخبرة سوف يخلق معها فجوة كبيرة بطريقة تنفيذ عمل هذا المشروع لأن الهدف من المشروع سيكون التجسس على العراقيين وحياتهم الشخصية بالاضافة الى التربح من وراء هذا المشروع وهذا ما نتوقعه لان هدفهم هو السرقة وليس التنمية وبالأخص بأن المواد الخام التي سيتم استخدامها في المشروع ستكون “رخيصة الثمن ولا تطابق النوعية والجودة والمواصفات القياسية” ومستوردة من الصين، او مصنعة في داخل المصانع الايرانية والمستقبل القريب سوف يكشف لما الحقائق أكثر  وهي مقدمة لخطوة استباقية اولية لفساد مالي وإداري، وتهديد جودة البنية التحتية للإنترنت في العراق على المدى الطويل , وهذا ما شاهدناه على الأقل ليس خلال العقديين الماضيين , ولكن خلال الأشهر القليلة الماضية من انهيار الجسور قيد الإنشاء والمشاريع التي ظهرت عليها عيوب واضحة تهدد معها سلامة المواطن بل ما يزال يفقد حياته بسبب سوء واضح لتنفيذ هذه المشاريع . لكن القلق الأكبر حاليا والذي يراود في مخيلة عقلية المواطن العراقي يتجاوز الشق المالي والإداري وليصل إلى قلب الأمن القومي العراقي لان فقط فكرة منح السيطرة على الشبكة الوطنية للبيانات – العمود الفقري للاتصالات في البلاد – لكيان غير حكومي تابع لميليشيا او فصيل مسلح، يفتح الباب على مصراعيه أمام إمكانية سهلة ومتيسرة وبصورة رسمية للمراقبة والتنصت على كافة المؤسسات الحكومية، بما في ذلك المكاتب الأمنية الحساسة ومكاتب الرئاسات الثلاث . وبالتالي لا يحتاج هذا الامر الى خبير متمرس لكي يحل هذه “الاحجية” التي قد يعتقدها البعض بانها مستعصية على الحال وبان مثل هذه الخطوة غير الوطنية والمهنية سوف تمنح “طهران” دون شك او تاويل او حتى التباس قد يروج له البعض خلال الساعات القادمة ومن وراءه الحرس الثوري / فيلق القدس الراعي الإقليمي والرسمي لتلك الميليشيات ، وفتح نافذة غير مسبوقة على كل ما يحدث في العراق، ومحققاً لها هدفاً طالما سعت إليه وتمنته منذ عام 2003 ولغاية اليوم . مثل هذه العقود غير معلنة رسميًا ، قد أثارت معها مخاوف جدية وذهول ليس فقط بشأن الشفافية والنزاهة والفساد , ولكن التخوف بان أصبحت اسرار المواطن مباحة ويمكن استغلالها بسهولة ودون أي عناء لغرض الابتزاز والتشهير هذا اذا علمنا مسبقا وكما هو متداول حاليا بان “شركة المهندس” لديها خبراء إيرانيين وفي كافة المجالات الصناعية والانشائية ولتكون الصورة واضحة اكثر فهي نسخة طبق الأصل من شركة “خاتم الأنبياء الإيرانية” ولكن بواجهة وقوانيين حكومية رسمية عراقية، ومما يثير مخاوف أمنية حول إمكانية الوصول إلى بيانات ضخمة، التقاط الاتصالات، تغيير مسارات البيانات، أو حتى التنصت على المواطنين والمؤسسات، وبما في ذلك الناشطين السياسيين والمعارضين من الشخصيات الوطنية العراقية لنفوذ الفصائل الولائية المسلحة لأنه سيكون من السهولة تحديد أماكن تواجدهم ناهيك عن التنصت على جميع مكالماته واسرارهم الشخصية لأن هذا ليس مجرد عقد إنشائي بسيط يمكن التغافل عنه وتمريره : لبناء مدرسة أو مستوصف صحي ومجمع سكني؟ لأن هذا في حقيقة الأمر سيكون تسليم كامل لعصب الاتصالات العراقية لجهة عليها شبهات ولائية عابرة للحدود وكيان مدرج على قوائم العقوبات الأمريكية بتهمة دعم الإرهاب ونقل النفوذ الإيراني وبالتالي سيكون المواطن العراقي بان : مكالماتك، رسائلك، بياناتك البنكية، محادثاتك الخاصة الشخصية والحميمية وكل صورة عارية او شبه عارية ، وكل غزل وهيام وشوق ومحادثة مع حبيبتك ، وحتى كل صفقة تجارية و علاقاتك الاجتماعية خارج إطار العائلة والزواج ستكون بخطر محدق وفي انتهاك واضح وصريح للخصوصية الشخصية لأنها ستكون معدومة وغير موجودة على أرض الواقع . تخيل الابتزاز الرقمي هذا الذي سوف يكون ليصل اليك كرسالة نصية ، وهو ليس خيالًا وقد يكون قريبا واقع حالا ملموس وتعاني منه خلال الأيام القادمة والمستقبل القريب ؟ حسنا : أنت ناشط مدني … سياسي معارض … وزير أو مسؤول بالدولة بجهاز امني مهم أو تاجر …. سوف يصلك تسجيل صوتي لك تقول فيه : أن القيادي الحزبي أو الوزير أو المسؤول لفصيل مسلح فاسد وغير جدير بمنصبه ولديه ميليشيات وقدمت عليه مستندات ووثائق لفساده أو غيرها من عبارات الغضب والاستهجان والسخرية والتقليد … سيصل إليك التهديد والوعيد بالويل والثبور بسرعة البرق : ” إما تسحب شكواك ، أو نرسل التسجيل لعائلتك ، للإعلام ، للقتلة المتربصين بك بكاتم الصوت أو العبوة اللاصقة ؟” أو أنت مرشح انتخابات : يُفبرك لك محادثة واتساب تُظهرك تتلقى رشوة من دولة عربية أو من جهة أجنبية خارج الحدود …. تنتهي حملتك الانتخابية في ظرف دقائق وليس ساعات …. أو أنت قد تكون موظف مسؤول ورفضت صفقة : يصلك فيديو لابنتك أو حتى زوجتك في الحمّام ولديك الخيار : اما الاستقالة أو الفضيحة أو تمشية الصفقة … وهكذا دواليك وفي دوامة ليس لها أول وليس لها أخر أو حتى نهاية وما قد يتخيله العقل وما قد لا يتخيله ؟ … أليس هذا ما عليه سيكون الواقع والحقيقية بمثل مجريات الأمور لمثل هذه الحالات وأبغض منها وعلى الرغم من الشعارات الحكومية المرفوعة والمتمثلة بالدستور الذي تنتهك فقراته بصورة تعسفية كل يوم ووفق المادة (17) من الدستور العراقي: “المراسلات الخاصة مصونة، ولا يجوز التنصت عليها إلا بأمر قضائي” ولكن لنقف لحظة مع هذه الفقرة الدستورية المهمة : من سيصدر أمرًا قضائيًا ضد (هيئة الحشد ) ؟ ومن سيحاسب ( الوزيرة ) التي سلّمت الشبكة الاتصالات ؟ ومن يحمي المواطن من ابتزاز رقمي مدعوم حكوميًا ؟ اليس من حق المواطن ان يسال مثل تلك الأسئلة وغيرها والتي تجول في مخيلته حاليآ ؟ فهل فعلا بان رئيس الوزراء السيد “السوداني” قد تنازل مكرها أو حتى طوعآ عن خصوصية 40 مليون عراقي وإلى كيان مُعاقب دوليًا ومتهم بالإرهاب وعليه عقوبات اقتصادية ، مقابل دعم سياسي ووعود بأن تكون لكم ولاية ثانية لمنصب رئيس الوزراء !؟ ولأن الصمت العراقي الآن بدلآ من أن يصرخ بوجه مثل هذا الفساد سيكون موافقة على أن تصبح مكالمتك القادمة أيها المواطن العراقي سلاحًا في يد من يريد إسكاتك لأنك قلت كلمة الحق ؟.
ولكن تبقى لنا المفاجأة الأخرى والتي تمثلت بصورة شبح وجاءت من الداخل، عندما تسربت وثائق من شركة “المهندس” نفسها ، وأن الجهة التي تقف وراء هذا التسريب هي شركة “إيرثلنك” الكيان التاريخي المبهم في نشأته في سوق الاتصالات والتي تهيمن على السوق منذ عام 2005، سعت إلى “ضرب” مشروع منافسها الجديد الذي يهدد احتكارها، مستخدمة أسلوب فضح المخالفات كسلاح للتشهير وحتى الابتزاز والضحية سيكون المواطن العراقي هو من سوف يدفع الثمن , ولان هذا التسريب حول الصراع من كونه نزاعاً تجارياً تقنياً إلى مواجهة علنية بين قوى ما يعرف بـ ( الدولة العميقة ) حيث تستخدم مشاريع الدولة الاستراتيجية كأوراق ضغط وانتقام و ابتزاز وتشهير . النتيجة كانت تحويل مشروع وطني طموح – كان من المفترض أن يربط كل بيت عراقي بخدمة إنترنت حديثة – إلى ساحة لصراع النفوذ والابتزاز السياسي والمالي والاخلاقي. وتكشف لنا هذه المعركة وكسر العظم والضرب تحت الحزام عن مشكلة هيكلية أعمق في عمل الحكومة ، وهي “غياب الدولة” بمعناها الحديث . وبين القوى المسلحة والجهات غير الحكومية التي تتصارع على مقدرات البلاد ونهب خيراته وثرواته، وفيما تتراجع مؤسسات الدولة عن دورها في حماية أمنها القومي وفرض هيبة القانون وحماية المواطن . وفي هذا السياق، تبرز لنا شركة “ايرثلنك” الى الواجهة و كنموذج صارخ لهذا الازدواجية في المعايير ، فبالرغم من اتهامها سابقا من قبل الممثل التجاري الأمريكي بوضعها على “القائمة السوداء” لممارسات القرصنة الرقمية، وكذلك قيام هيئة النزاهة الاتحادية بالقبض على بعض مدرائها بتهم تهريب سعات الإنترنت، إلا أن الشركة ما تزال تعمل بسلاسة، لأن هناك “ظهير” حكومي قوي يحميها من المسائلة والمحاسبة والتقصير الواضح والفاضح بتوفير خدمة انترنت ذات جودة عالية . ولتعكس لنا الصورة والتي تظهر اليوم في حقيقةتها المجردة , بأن العراق يُسلم مفاتيح اتصالاته وأمنه السيبراني لجهات غير رسمية، في صراع مكشوف تدفع ثمنه سيادة البلاد واستقرارها، وبينما يبقى المواطن حبيس وأشبه برهينة حرب خفية، تجعل من حلم إنترنت سريع ومستقر مجرد أداة في صراع القوى المهيمنة للدولة العميقة.

sabahalbaghdadi@gmail.com