حسن العكيلي
لتذبذب واردات المواسم الفارغة من نبض الحياة- وانقطاع الطمث عن رحم الارض التي بدت عليها علامات العقم واضحة وجلية. وانتشار السباخ الذي غير ملامح لوحة ارض القرية واستبدل بيادرها باكداس الملح الابيض الذي لاتشترى ولا تباع .فقد تحولت البيوت الى مقبرة يلفها الصمت المطبق باجنحته الخالية من الريش – لايسمع في ثناياها سوى انين الموجوعين وحشرجات القهر الناتجة عن خلو الصحون من ارغفة الخبز الابيض ورائحة الدهن الحر – فرغت القرية من رجالاتها الذين يمموا وجوههم صوب بغداد (ام الفقير) ولم يبق منهم سوى انفار توزعوا بين كبار السن والمعوقين الذين حكمت عليهم الحياة بالسكون لا الحركة واطفال بائسون تعرفهم بسيماهم انهم فقراء- من اثوابهم الممزقة ووجوههم الصفراء الذابلة من اثر فقر الدم السائد
عندما وصلوا الى هناك انتشروا فرادى وجماعات وسط احياء المدينة الراغبة باستقبال المزيد من الحمالين وعمال البناء ومنظفي الشوارع والخانات بأجور يومية – واختفوا بصمت داخل امكنة عملهم اختفاء العصافير فوق جريد سعف النخيل وتحت دغل الممرات المطرزة بالامل
يجمعون وبكل ماأوتوا من قوة وصبر ورباطة جأش – قوت يومهم وعيالهم من الحب المتساقط والدود وكل شي أحل لهم اكله..
فموسم الصيف هو الفرصة الذهبية التي تسمح للفقراء. تنفس الصعداء واعادة تنظيم امور حياتهم القلقة وترتيب احوالهم الضنكة . ليصمدوا زمنا مكتوبا بوجه الفاقة والعوز الذي يطبق على رقابهم في كل عام..
حالما وصل سرحان لبغداد لم ينم ليلته فالنوم في غرفة طويلة مكدسة بالرجال بنيت داخل خان تبات داخله عشرات الاحصنة والحمير -فاصوات النهيق الممتزج بصهيل الخيل وسعال الرجال المدمنين على شرب سيكاير اللف والمزبن – الذي يشبه سعال الاطفال المصابين بالسعال الديكي – لاشك ان العيش داخل هكذا امكنة صعب للغاية فعندما تمتزج رائحة روث الاحصنة برائحة دخان السيكاير التي راحت تنتشر بسرعة عجيبة وهي تملأ الصدور برائحة غير مستساغة لم تالفها حويصلات الرئتين
من الله على سرحان بالجسم القوي وبالطول الفارع والعضلات المفتولة
طيلة وجودهم في بغداد ظل اصحابه يلوذون به ويحتمون تحت جناحيه ويجلسون بالقرب منه لكونه خفيف الظل طيب القلب جميل المعشر وكان مستعد على الدوام للذود عن احبتة بالكلمة الطيبة -والتدخل السريع للدفاع عنهم بذراعيه المفتولتين ان تطلب الامر ذلك
كان سرحان محضوضا للغاية فحالما خرج من باب الخان وهو يبحث عن عمل ليعتاش عليه – راه احد التجار اليهود بالصدفة فنادى عليه وطلب منه ان يعمل معه كحمال- فوافق على الفور- اخذه الى مكتبه وطلب منه ان يتناول معه وجبة فطوره لكنه ابى ان ياكل شيئا من مائدتة وبعد ان الح عليه مرارا استجاب لطلبه –
فعرف اليهودي ان الرجل الجالس بين يديه رجل خلوق وشهم وعزيز النفس- واحبه اكثر عندما جربه في اول يوم عمل عنده . عندما راح يحمل اثقالا لايتجرأ ثلاث رجال على حملها فقوته الخارقة كانت تسمح له حمل مائة كيلو على ظهره ويهرول بكل سهولة فوق اللوح الخشبي ليوصله الى سيارة الحمل – بينما راح العمال الاخرين يتساقطون مع الاكياس الواحد تلو الاخر ارضا من على ظهر اللوح نتيجة التعب والاعياء الشديدين.
ذات يوم وبينما كان التاجر اليهودي يسير في سوق المدينة وهو ينظر بحسرة الى محلات بيع اللحوم البيضاء والحمراء التي منع من تناولها بأوامر من قبل الطبيب – والى عشرات الانواع الاخرى مما خلق الرحمن لعباده وقد بنى سورا عاليا كي لايشاهدها – شاهد وبالصدفة عامله سرحان وهو يتكا على حائط الخان وأمامه رغيف خبز شعير تركه احد الاشخاص لتاكله الطير وبطيخة حمراء ذابلة فقدت جل حلاوتها وهو ياكل منها بهدوء وتلذذ – اقترب منه التاجر وسلم عليه وجلس بالقرب منه. نهض سرحان احتراما لرب نعمته لكنه اجبره على الجلوس ليتكلم معه ويساله بعض الاسئلة قائلا
سرحان هل تعلم ياسرحان اني محروم من تناول اشهى الماكولات واطيبها لكوني مريض بالقلب وانسداد الشرايين ومشاكل في الكلى-
رد عليه سرحان ومن منعك ياسيدي من تناول ماخلقه الله من الطيبات
قال التاجر اليهودي لاشك انه الطبيب
رد عليه سرحان دعك من كلام الطبيب وتوكل على الله خالقي وخالق الطبيب
قال التاجر جربت ذلك وكدت اموت-فاضطررت الى الالتزام باوامره- المهم لدي سؤال ان اجبت عليه فستكون غنيا جدا مثلي
قال سرحان – اسال ياسيدي فكلي اذان صاغية
قال التاجر وبتوسل واضح لماذا لانتبادل ياسرحان؟ اعطيك كل ثروتي مقابل عافيتك فانا محتاج اليها كثيرا لتمشية امور تجارتي وتوسيعها
نهض سرحان من مكانه- وقال له لاياسيدي فكل امرئ وقسمته في الحياة انا رجل فقير وقد عوضني الله بالصحة والعافية- وانت رجل قد اعطاك الله المال والجاه ولكن سلب منك العافية لقصد يعلمه. حاول ان ترضى بقسمتك – فلن اقايض صحتي بكل اموال الدنيا – كن صبورا وارضى بما كتبه الله لك – وادعوه بالجهر والخفاء ان يشفيك من علتك.