سيرة الإنسان بين ربيعٍ يتيم وخريفٍ محتوم

رياض سعد

الإنسان كائن موسميّ، يولد ربيعًا، ويكبر صيفًا، ويشيخ خريفًا، ثم يغيب شتاءً في صمت التراب.

لا يمنحه الزمن أكثر من ربيعٍ واحد، ربيعٍ يتيم، قصير القامة، سريع الهروب، يمرّ في حياته كما تمرّ الفراشات على زهرةٍ خجولة: يترك عطره ويرحل.

نعم، لا يوجد في حياة الإنسان سوى ربيعٍ واحدٍ يتيم… ؛  لا يأتي ربيعٌ بعده أبدًا… ؛  فمن ذهب ربيع أيامه، لا ينتظر ربيعًا آخر يحلّ محل ربيعه الأول… ؛  فما فات فات، وهيهات أن يعود ما فات.

في ذلك الربيع، تتفتح الأحلام مثل أزهار برية على أطراف القلب، وتضحك الروح بلا سبب، وتبدو الدنيا كأنها خُلقت للتو… ؛  نركض خلف الأفق ونحن نظن أنّ الطريق بلا نهاية، وأن أعمارنا مطاطية تتمدد مع الرغبة... .

لكن الزمن ليس شاعرًا… ؛ إنه جلّاد أنيق... ؛ يبتسم وهو يسرق أعوامنا، يربّت على أكتافنا وهو يزرع التجاعيد، يعلّمنا الحكمة بعد أن يسحب منّا القدرة على استخدامها...

وحين يدخل خريف العمر، لا يطرق الباب... ؛ يدخل فجأة... .

ندرك حضوره من تغيّر طعم الأشياء، من بطء الخطى، من ثقل الذاكرة، ومن تلك المسافة الجديدة بين القلب وما يشتهي.

في خريف الإنسان، تبدأ الأوراق بالسقوط...

تسقط ورقة الصديق، فنشعر أن قطعة من تاريخنا دُفنت معه… ؛ ثم تسقط ورقة الصحة، فنتعلّم لغة الألم... ؛ ثم تسقط ورقة الرغبة، فنكتشف أن الجسد كان شريكًا مؤقتًا للروح… ؛ وتسقط ورقة الطموح، فنفهم أن بعض الأحلام لا تصلح إلا للشباب... ؛ وكل ورقة تسقط، تترك فراغًا يشبه الندبة.

وحدها الورقة الأخيرة تبقى معلّقة على غصن القلب، ترتجف مع كل نبضة…؛  حتى إذا سقطت، انتهت المسرحية، وأُطفئت الأنوار، وغادر الإنسان الخشبة بلا تصفيق.

المؤلم ليس الموت.

المؤلم أن يموت الإنسان على دفعات.

أن يشيخ وهو حي.

أن يرى نفسه يتناقص.

أن يصبح شاهدًا على أفول ذاته.

بعضهم يرفض الاعتراف بالخريف، فيرتدي أقنعة الربيع، يلاحق الشباب في لغتهم وملابسهم وضحكاتهم، كأن العمر يُهزم بتغيير تسريحة الشعر...!!

البعض لا يقتنع بأفول ربيع عمره، فتراه يكابر ويصرخ بأعلى صوته: «ألا ليت الشباب يعود يومًا»، ولكن لا مجيب… ؛  والبعض الآخر يتصابى، إلا أنه يُقابل بالنهر والزجر، وفي أفضل الأحوال يصبح مادة للسخرية والاستهزاء … ؛ إذ يصرّ بعض من بلغوا السبعين أن يؤدّوا دور الفتى اليافع ذي السبعة عشر ربيعًا، وشتّان بين الأمرين…!!

نعم، بعض كبار السن، وبحجة التفاؤل وحب الحياة، يتصرّفون تصرّفات صبيانية ويقلّدون الشباب في حركاتهم وسكناتهم، وهؤلاء يذكّرونني بالغراب الذي حاول تقليد مشية الطاووس فلم يستطع، وحين أراد العودة إلى مشيته الطبيعية لم يفلح أيضًا، فصار يمشي مشية هجينة متعثّرة، فأضحى مسخرة للطيور وامسى غريبا عن نفسه … .

نعم، البعض لا يقتنع أن لكل مرحلة عمرية آدابها وقوانينها، ولكل عمرٍ قدراته وحدوده…

إن أعظم المآسي أن لا يتصالح الإنسان مع مرحلته.

أن يقف في الزمن الخطأ، في الجسد الخطأ، وفي الوهم الخطأ.

لكل عمر نبرته،

لكل مرحلة موسيقاها،

ولكل فصل حكمته.

الطفولة دهشة،

الشباب اندفاع،

الكهولة اتزان،

والشيخوخة تأمّل.

ومن لا يحترم ترتيب الفصول، يضيع بين التقويم والمرآة.

ليس المطلوب أن نستسلم للخريف، بل أن نفهمه.

أن نجلس معه كضيف ثقيل الظل، نسقيه قهوتنا، ونصغي إلى قصصه عن الفقد، عن الصمت، عن المعنى.

فالشيخوخة ليست هزيمة…

إنها لحظة مراجعة كبرى.

وفي النهاية، لسنا سوى أوراق على شجرة الزمن.

تهزّنا الرياح،

تلوّننا الأيام،

ثم نتهاوى واحدًا واحدًا…؛ فعندما يتوقّف النبض، تسقط آخر ورقة، ويُسدل الستار، ويصبح الإنسان نسيًا منسيًا...

حتى يعود العالم إلى صمته الأول.

نعم ؛ على المرء أن يهيّئ نفسه لاستقبال خريف العمر والتكيّف معه، فلا ينزعج ولا يقلق حين يرى بأمّ عينيه كيف تتساقط وريقات الحياة من شجرة الإنسان في خريفه…