فضيحة تعيين السفراء الجدد: استمرار لعبة التوظيف البعثي في قلب الدبلوماسية العراقية

بسام الناصري

في فصول جديدة من مسلسل فضائح الحكومة العراقية، تبرز قضية تعيين السفراء الجدد كأحد أبرز الأمثلة على الطريقة التي يُدار بها البلد من قبل نخبة سياسية غير مخلصة وغير قادرة على الابتعاد عن إرث الماضي البعثي، بل في بعض الأحيان تزداد تمسكاً به. والأنكى من ذلك أن هذه الفضيحة تُظهر مدى تغلغل عناصر النظام السابق في مؤسسات الدولة العراقية حتى بعد مرور أكثر من عقدين على سقوط النظام، بل إن التعيينات الأخيرة تبرز استمرارية تأثير هؤلاء البعثيين على مسار السياسة الخارجية العراقية.

مدير مكتب الوزير ورئيس الدائرة القانونية البعثيان سفراء للعراق “الجديد”

الفضيحة تبدأ من داخل وزارة الخارجية نفسها، حيث تبين أن معظم التعيينات الأخيرة في مناصب دبلوماسية حساسة تمت من خلال شبكة من البعثيين السابقين الذين ما زالوا يشغلون مناصب كبيرة داخل الوزارة. من مدير مكتب الوزير إلى رئيس الدائرة القانونية ومكتب الوكيل الإداري وآخرين في مكتب رئيس الوزراء، هؤلاء جميعهم كانوا على صلة وثيقة بالبعث، الذي حكم البلاد بيد من حديد لعقود، و بالتاكيد يحنون اليه لحد الان. ورغم أن العراق شهد تحولاً كبيراً بعد 2003، إلا أن مؤسسات الدولة تظل ملجأً للكثير من الموالين للنظام السابق الذين لم يغيروا توجهاتهم، بل غيروا جلدهم فقط.

والمثير هنا هو أن هؤلاء البعثيين لم يقتصر دورهم على البقاء في مناصبهم فحسب، بل تميزوا أيضاً بقدرتهم الفائقة على التلاعب بمفاصل السلطة، حيث نجحوا في ترشيح أنفسهم للمناصب الجديدة والعمل على إدخال العناصر التي لديها نفس الماضي والميول إلى سلك الدبلوماسية العراقية، الذين لاينتمون إلى العراق الحديث، بل إلى العراق الذي نشأ في ظل البعث.

الوزير ووعوده: هل كان هناك مقابل؟

الوزير المعني بتعيين السفراء رغم انه يدعي ماضيه النضالي ضد البعث الا انه تجاهل عودة البعثيين، متماشيًا مع الوعود التي قطعها الكتل السياسية اليه، وهو ما يطرح سؤالاً مشروعاً: هل كان الوزير يراهن على هؤلاء ليحصل على مكاسب شخصية أو ليضمن لنفسه مناصب أكبر في المستقبل، دون الاكتراث الى ماضيه “النضالي”؟ من الواضح أن اللعبة كانت أكبر من مجرد تعيينات دبلوماسية، فهناك مصالح خفية وراء هذا التمشي الذي أساء إلى سمعة الوزارة والعراق ككل.

الوزير لم يكتفِ بالتغاضي عن ماضي هؤلاء الأشخاص، بل قام بتسهيل مسار تعييناتهم والسماح لهم بلعب دور رئيسي في اعداد القائمة، سواء بترشيحهم لأنفسهم أو على الأقل قبولهم دون أي مساءلة أو تنقية. وبينما كانت النقاشات تدور حول أهمية إشراك الوجوه الجديدة والمستقلة في العملية السياسية، نجد أن الوزير كان يسير في الاتجاه المعاكس، مفضلاً “ضمان مستقبلًا مريحًا لنفسه”، متجاهلاً تمامًا أي إشارة إلى الخطر الذي يشكله استمرار هؤلاء في قلب الدبلوماسية العراقية.

الأدوار الخفية لرئيسي الحكومة والبرلمان: الموافقة على ما يُغضب الشعب

لم يكن الوزير وحده من يتحمل مسؤولية هذه التعيينات المشبوهة، فالأمر لا يكتمل إلا بموافقة رئيسي الحكومة والبرلمان، الذين، بدورهم، يحملون خلفيات بعثية سابقة، ويعتبرون أنفسهم مدينين للنظام البعثي في فترة معينة من تاريخ العراق. إن تواطؤهم في تمرير هذه التعيينات السرية يكشف عن مشهد مرعب، يتم فيه استبعاد الكفاءات العراقية الحقيقية لصالح من كان لهم تاريخ طويل في الانتماء إلى الحزب الحاكم سابقًا، والدليل واضح وهو كيفية تمرير القائمة بالطريقة غير الدستورية وقانونية التي رأيناها داخل مجلس الوزراء و البرلمان.

والسؤال الذي يطرح نفسه هنا: كيف يمكن لحكومة تزعم تمثيل الشعب العراقي أن تضع هؤلاء الأشخاص في مناصب استراتيجية وحساسة؟ أليس من المفترض أن يكونوا أكثر حرصًا على تقديم وجوه جديدة تعمل على طي صفحة الماضي البعثي الأسود بدلاً من إعادة تدوير نفس الوجوه التي شاركت في صنع السياسات القمعية والفاشلة؟

من ضحايا الدولة إلى مسؤولين في الدولة: استمرار سياسة المحسوبية

المفارقة الكبرى تكمن في أن النظام البعثي الذي حكم العراق لسنوات طويلة كان يعتمد على سياسة المحسوبية والولاء للحزب أكثر من أي معيار آخر. والآن، نجد أن نفس هذه السياسات مستمرة حتى في ظل الحكومة الحالية، حيث يتم تعيين الأفراد بناء على علاقاتهم مع النظام السابق بدلاً من كفاءاتهم وقدراتهم المهنية. وهذا يفضح بشكل غير قابل للتأويل أن العراق لم يشهد تحولات حقيقية في بنية السلطة، بل يواصل الغرق في مستنقع المحسوبية التي تنخر في مؤسسات الدولة.

خلاصة: عودة البعثيين إلى قلب السلطة

إن تعيين السفراء الجدد، الذين تم ترشيحهم من قبل هؤلاء البعثيين في الوزارة، يشكل بداية جديدة لنهاية وشيكة لبقية من تبقى من الأمل في التغيير الجذري في العراق. إذ لا يكفي أن نزيل آثار الماضي البعثي من الذاكرة الوطنية، بل يجب أن نزيله فعلاً من المؤسسات الحكومية، وأن نبني نظامًا يعكس إرادة الشعب ويتناغم مع قيم الديمقراطية والعدالة. إذا استمر الوضع على ما هو عليه، فإن العراق سيظل يدور في دائرة مفرغة من المحسوبية والفساد.

التعيينات الأخيرة هي بمثابة رسالة مشؤومة تؤكد أن العراق لم ينفصل بعد عن ماضيه البعثي، وأن النظام القديم لا يزال يحكم، ولو من خلال الواجهة الجديدة، تحت شعارات الديمقراطية والتغيير.