العدو في رؤوسنا

العدو في رؤوسنا

كتب رياض الفرطوسي

في فيلم معركة الجزائر (1966) لغيلو بونتيكورفو، لا ترى بطلاً تقليدياً يحمل سيفاً، ولا فارساً يخرج من بين الدخان. البطل الحقيقي هناك هو الشارع، الزقاق، العيون المذعورة، والصدور التي تُخبّئ قنابلها كما تُخبّئ أنفاسها.
الفيلم لا يروي حكاية حرب فقط، بل يعرّي آلية الاستعمار وهو يدخل إلى العقول قبل أن يدخل إلى البيوت. الفرنسيون لم يواجهوا شعباً بالسلاح وحده، بل حاصروا الروح بالخطاب، والهيبة، وصناعة صورة “الجيش الذي لا يُهزم”.
ومع ذلك… انهزموا. لأن الجزائري، في لحظة ما، كسر الصورة داخل رأسه قبل أن يكسر البندقية في يد عدوه.

وهنا، بالضبط، يبدأ حديث تحرير المضمون.

هذه النظرية التي لم تُولد في المختبرات الأكاديمية الباردة فقط، بل في خنادق الحروب النفسية، تقول ببساطة موجعة:
ليس المهم كم كلمة تقول عن عدوك، بل كيف تقولها، وأي صورة تزرعها في لاوعي من يسمعك.
أن تكرر ليلًا نهاراً : “إسرائيل، إسرائيل، إسرائيل”، “قوة، تفوق، هيمنة”، ثم تمر مرور الكرام على “مقاومة باسلة” في آخر السطر… فأنت، حتى لو كنت تشتم، تصنع “غولًا نفسياً” في داخل المتلقي.
عدواً يبدو أكبر من الحياة، وأقوى من التاريخ، وأقسى من الهزيمة.

تحرير المضمون لا يعني حذف الواقع أو تزوير الحقائق، بل يعني تحرير اللغة من أن تتحول إلى أداة في يد الخصم دون أن نشعر.
أن نسأل أنفسنا بصدق:
هل نعرض الهزيمة كمرحلة أم نكرّسها كقدر؟
هل نصف الضعف بوصفه حالة أم نحوّله إلى هوية؟
هل نقدّم اليأس باعتباره تشخيصاً أم بوصفه “وعياً متفوّقاً”؟

وهنا، حين نلتفت إلى الخطاب الإعلامي العراقي، نشعر أن الجرح لم يعد ينزف فقط… بل صار يتكلّم.

تفتح شاشة الفضائية، فلا تستقبلك الأخبار، بل طقوس يومية من جلد الذات.
محللون يجلسون بثياب أنيقة فوق ركام المعنى، ويتحدثون عن العراق كما لو كان ختاماً، لا بداية تتعثّر وهي تشق طريقها.
نسمع:
نحن مجتمع فاشل،
نحن متخلّفون،
نحن بلا أمل،
نحن لا نستحق دولة،
لا أفق، لا خلاص، لا مستقبل.

خطاب يبدو “جريئاً” في الظاهر، لكنه في العمق منشور هزيمة يومي منظّم.
نحن لا نحلّل الواقع، بل نُعيد إنتاج انهياره داخل رؤوس الناس.
لا نضع الجرح على طاولة العلاج، بل نرفعه ليتحوّل إلى هوية وطنية.
نحن لا نمارس النقد… بل نمارس التشكيك بوصفه مهنة.

وهنا تكمن الكارثة الكبرى:
نحن، من حيث لا نشعر، نُحرّر مضموناً واحداً فقط… هو مضمون العجز.

في معركة الجزائر، كان الجزائري أعزل في بداياته، لكنه لم يسمح للخطاب الفرنسي أن يصنع صورته عن نفسه. لم يقل: “نحن ضعفاء إذن لا نقاوم”، بل قال العكس تماماً: “نقاوم كي لا نكون ضعفاء”.
أما نحن، فنقول اليوم: “نحن ضعفاء”… ثم نطالب بمعجزة سياسية، واقتصادية، وتاريخية.

حتى الدولة نفسها صارت عندنا مشروعاً للفشل المسبق.
فكرة رئيس الوزراء، أيّاً كان اسمه، تتحوّل فوراً على الشاشات إلى موسم جديد من النواح.
قبل أن يبدأ، نُعلن نهايته.
قبل أن يتعثّر، نكتب نعيه.
ثم نطالبه بالإنجاز بعد أن نُحطّم ظهره نفسياً.

تحرير المضمون، لو استيقظ في خطابنا الإعلامي، سيجبرنا على طرح أسئلة مؤلمة لا يحبها “محللو الصوت العالي”:
هل نحن ننتقد من أجل الإصلاح؟
أم ننتقد لأننا أدمنّا دور العاجز الذكي؟
هل نريد تغيير الواقع؟
أم نريد فقط إثبات أننا فهمناه… وتركناه يحترق؟

اللغة ليست زينة في فم السياسي، ولا حشواً في فم المحلل.
اللغة مصنع وعي:
تصنع شعباً… أو تصنع حطاماً يتكلم.
اللغة لا تصفنا فقط… بل تصنعنا.

نحن لا نحتاج إلى إعلام يوزّع شهادات الفشل،
ولا إلى محللين يضعون العراق على سرير الإنعاش كل مساء ثم يغادرون وقد غسلوا أيديهم من دمه.
نحتاج إلى خطاب يقول الحقيقة… نعم،
لكن لا يُهين الحياة وهو يقولها،
ولا يُقنع الناس بأن الموت أذكى من المحاولة.

العراق لا يحتاج من يشفق عليه.
العراق يحتاج من يؤمن أنه رغم كل هذا الركام، ما زال مشروع نهوض لا جنازة مفتوحة.

كما انتصر الجزائري حين حرّر صورته عن نفسه قبل أن يحرّر أرضه،
نحن أيضاً لن نخرج من هذا النفق ما دمنا نزيّن جدرانه بكلمات اليأس ونسمّي ذلك “واقعية”.

الواقعية الحقة ليست أن تقول: “نحن في الحضيض”.
الواقعية الأخطر، والأشجع، أن تقول:
“نعم، الطريق شاق… لكننا ما زلنا فيه، ومن بقي في الطريق لا يزال قادراً على الوصول”.

وهنا فقط، يبدأ التحرير الحقيقي.
تحرير الأرض… يسبقه دائماً تحرير المعنى.

التحرير الحقيقي لا يبدأ من الحدود، بل من الجملة الأولى التي نقولها عن أنفسنا.
وحين تتغيّر هذه الجملة،
حين يتوقف الخطاب عن صناعة الغول،
وحين نستعيد حقنا في رؤية قوتنا لا فقط ضعفنا،
ساعتها فقط، يصبح النهوض احتمالًا… لا نكتة سوداء.

ذلك أن أخطر احتلال في التاريخ
هو أن يسكن العدو في الرأس،
ويتكلم بلساننا،
ونصفّق له
ونحن نظن أننا نحاربه.