رحلة الشتاء والصيف
كامل سلمان
هذه العبارة ( رحلة الشتاء والصيف ) مأخوذة من الآية القرآنية ( لإيلاف قريش إيلافهم رحلة الشتاء والصيف ) ، بعيداً عن التفاسير الواردة لهذه الأية ، الآية توحي إلى تقليد حياتي تجاري متكرر رتيب لقبيلة قريش بالذهاب شتاءاً من مكة إلى اليمن وصيفاً من مكة إلى بلاد الشام للكسب التجاري المحدود وقد تكون حركة موسمية مملة لأن كل متكرر تكون فيه الرتابة والملل ، وكأن الآية تقول هذه هي حياتكم يا قبيلة قريش غير قابلة للتطور فعليكم بالتغيير لأن تغير الحال مرهون بتغير الأنفس وتغيير الإعتقاد وفعلاً نجد الآية التي تليها هي الدعوة إلى التغيير والإيمان بالله ( فليعبدوا رب هذا البيت ) وهنا أعطتهم الأية مفتاح التغيير الذي عرفوا قيمته فيما بعد ، الحياة بالنسبة للفرد والمجتمع لا تتغير من تلقاء نفسها مالم تكن هناك عزيمة للتغيير وإلا سيبقى الإنسان يعيش مقلداً للأباء والأجداد ويصيبه الملل والشعور بضيق الحياة بسبب الجمود والرتابة ، وهذا الشيء ينطبق على مجتمعاتنا التي حافظت على الرتابة وبقيت في مؤخرة ركب التطور ، وينطبق كذلك على انتخابات الدول المتخلفة نفس الوجوه تتكرر في كل دورة انتخابية فتصبح الحياة كريهة مقرفة مع تكرار نفس الوجوه ومع الجمود الذي يضرب حركة الحياة ومع الفشل الذي يجعل نفس الوجوه تتكرر ، كتكرار الحروب مع إسرائيل في كل مرة بنفس العقول يحاربون فينهزمون فيجلسونهم على نفس الخازوق ليعودوا نادمين ثم يرددون نفس العبارة التي ذكروها في أول تجربة لهم مع إسرائيل ( لولا أمريكا والغرب لهزمنا إسرائيل شر هزيمة ) وكأنما أكتشفوا سراً من أسرار الكون وهم يعلمون يقيناً بإن إسرائيل هي أمريكا وهي العالم الغربي كله فلماذا يعيدون الخطأ إذاً ، ولماذا يسترخصون دماء الناس لمعارك فاشلة ؟ . ظاهرة تكرار الأشياء المضرة أو تكرار الأحداث الفاشلة إذا تركت دون تغيير أو علاج تصبح عقد نفسية لذلك من الحكمة علاجها أو تغييرها . المشكلة هي أشبه ما تكون بمشكلة الأدمان على المخدرات فالمدمن يعرف مساوىء الأدمان لكنه يكررها فتصبح عملية التخلص منها صعبة جداً . لنتخيل شخصاً يسلك يومياً نفس الطريق وهناك حفرة في هذا الطريق فكلما مر على هذه الحفرة سقط فيها ، هل نتأمل من هذا الذي يسقط بنفس الحفرة يومياً وبنفس الطريق يستطيع قيادة أمة نحو النجاح ، هذا ما يحدث في واقع حياتنا ، قادة يعثرون ويسقطون بنفس الخطأ ولا يزالون مصرين على نهجهم ويراهنون بأنهم سينجحون متخذين الشعوب مادة لمختبراتهم ولتجاربهم المخيبة للآمال ، هذا هو نموذج للتكرار القبيح وهو التكرار الذي فيه خطأ والخطأ يدفع ثمنه الأخرون ومرتكب الخطأ لا يشعر بعواقب الأمور . ليس معقولاً أن قبائل بدائية تربت على عادات وتقاليد ثابتة قبل أربعة عشر قرناً رضت بالتغيير وقبلت التجديد واستطاعت أن تغير الدنيا معها فيما ترفض شعوب تعيش القرن الواحد والعشرين هذا التغيير وتركن إلى الجمود المصحوب بالذلة والمسكنة ، فهل العقل البشري يرفض الجديد الأفضل وهو يعيش في زمن كل شيء فيه يتغير نحو الأحسن وشعوب العالم تتسابق نحو التغيير المستمر ونحن جزء مهم من المجتمع الدولي نعيش وسطهم ونتحسر على حالنا . حري بنا أن نعيد النظر للأمور من زواية مختلفة ونحرك عقولنا في فهم عوامل التردي التي تصيبنا كل مرة لعلنا نهتدي إلى طريق الصواب فالتخلف والتردي هو عار لا ينبغي للعاقل الحر القبول به فياليتنا نتعلم ممن سبقونا وممن جاورونا وممن نسمع أخبارهم
رحلة الشتاء والصيف