مفهوم (البغاء، بغيا) في القرآن الكريم (ح 1)

د. فاضل حسن شريف

جاء في تفسير مجمع البيان للشيخ الطبرسي: قوله تعالى “وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِّتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا” ﴿النور 33﴾ أي: إمائكم وولايدكم “على البغاء” أي: على الزنا “إن أردن تحصنا” أي: تعففا وتزويجا، عن ابن عباس. وإنما شرط إرادة التحصن، لأن الإكراه لا يتصور إلا عند إرادة التحصن، فإن لم ترد المرأة التحصن، بغت بالطبع. فهذه فائدة الشرط. “لتبتغوا عرض الحياة الدنيا” أي: من كسبهن، وبيع أولادهن. قيل: إن عبد الله بن أبي، كان له ست جوار يكرههن على الكسب بالزنا. فلما نزل تحريم الزنا، أتين رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فشكون إليه. فنزلت الآية. “ومن يكرههن” أي: ومن يجبرهن على الزنا من سادتهن “فإن الله من بعد إكراههن غفور” للمكرهات، لا للمكره، لأن الوزر عليه “رحيم” بهن. عن التفسير المبين للشيخ محمد جواد مغنية: قوله تعالى “وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِّتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا” ﴿النور 33﴾ المراد بالفتيات هنا الإماء، ولا وجود لهن في هذا العصر، والبغاء الزنا. وكان أهل الجاهلية يكرهون الإماء والجواري على الزنا التماسا للمال، فنهى سبحانه عن ذلك. وتسأل: ان الظاهر من قوله تعالى: “إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً” ان إكراه الأمة على الزنا انما يحرم إذا أرادت العفة والصون، أما إذا أرادت الزنا ورغبت فيه فلا بأس أن تزني، مع العلم بأن الزنا محرم في شتى الأحوال؟. الجواب: ان المعنى المراد من أداة الشرط يختلف باختلاف المقاصد والقرائن، فقد يكون المراد بأداة الشرط مثل “ان” و “إذا” القيد والتعليق حقيقة وواقعا أي ان يقصد المتكلم تحقيق المشروط عند وجود شرطه، وعدمه عند عدمه، ومثال ذلك أن تقول لصاحبك: ان فعلت أنت هذا فعلت أنا مثله. فقد علقت فعلك على فعل صاحبك، وجعلت فعله شرطا لفعلك بحيث إذا لم يفعل هو لم تفعل أنت. وقد يقصد المتكلم بأداة الشرط مجرد بيان الموضوع من غير تعليق شيء على شيء، مثل ان تقول لصاحبك: ان رزقت ولدا فلا تشتر له دراجة، فأنت لا تريد بكلمة (ان) هنا القيد والتعليق، وإنما أردت إبداء رأيك وكراهيتك أن يركب الأولاد الدراجة، ولو أردت الشرط والقيد لكان المعنى ان لم ترزق ولدا فاشتر لولدك دراجة. وهذا هو الهذيان بعينه، وقوله تعالى: “إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً” من هذا الباب أي ان كلمة ( ان ) لا يراد بها القيد والشرط، بل ذكرت لمجرد بيان الواقع، وإنه إذا أرادت الأمة العفة والصون فبالأولى ان تريدوها أنتم.. ولو أريد بكلمة ( ان ) التعليق والشرط حقيقة لكان المعنى: عليكم أن تكرهوا الفتيات على فعل الزنا ان أردن الزنا. وبداهة ان الإكراه لا يتصور مع وجود الإرادة، تماما كما لا يتصور ركوب الدراجة من الولد مع عدم وجوده. قوله عز وجل.

وعن تفسير الميزان للسيد الطباطبائي: قوله جل جلاله “قَالَتْ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا” ﴿مريم 20﴾ مس البشر بقرينة مقابلته للبغي وهو الزنا كناية عن النكاح وهو في نفسه أعم ولذا اكتفى في القصة من سورة آل عمران بقوله:”ولم يمسسني بشر” والاستفهام للتعجب أي كيف يكون لي ولد ولم يخالطني قبل هذا الحين رجل لا من طريق الحلال بالنكاح ولا من طريق الحرام بالزنا. والسياق يشهد أنها فهمت من قوله:”لأهب لك غلاما” إلخ، إنه سيهبه حالا ولذا قالت:”وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا” فنفت النكاح والزنا في الماضي. قوله تعالى:” قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ” إلخ، أي قال الروح الأمر كذلك أي كما وصفته لك. قوله سبحانه “يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا” ﴿مريم 28﴾ ذكر في المجمع، أن في المراد من هارون أربعة أقوال: أحدها: أنه كان رجلا صالحا من بني إسرائيل ينسب إليه كل صالح وعلى هذا فالمراد بالأخوة الشباهة ومعنى “يا أخت هارون” يا شبيهة هارون، والثاني: أنه كان أخاها لأبيها لا من أمها، والثالث: أن المراد به هارون أخو موسى الكليم وعلى هذا فالمراد بالأخوة الانتساب كما يقال: أخوتميم، والرابع: أنه كان رجلا معروفا بالعهر والفساد انتهى ملخصا والبغي الزانية، ومعنى الآية ظاهر. جاء في الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل للشيخ ناصر مكارم الشيرازي: قوله جل جلاله “قَالَتْ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا” ﴿مريم 20﴾ قد اهتز كيان ووجود مريم لدى سماع هذا الكلام، وغاصت مرّة أُخرى في قلق شديد. لقد كانت تفكر في تلك الحالة في الأسباب الطبيعية فقط، وكانت تظن أن المرأة يمكن أن يكون لها ولد عن طريقين لا ثالث لهما: إِمّا الزواج أو التلوّث بالرذيلة والإِنحراف، وإِنّي أعرف نفسي أكثر من أي شخص آخر، فإِنّي لم أختر زوجاً لحد الآن، ولم أكن امرأة منحرفة قط، ولم يسمع لحد الآن أنّ شخصاً يولد له ولد من غير هذين الطريقين. إِلاَّ أنَّ أمواج هذا القلق المتلاطمة هدأت بسرعة عند سماع كلام آخر من رسول الله إِليها. قوله سبحانه “يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا” ﴿مريم 28﴾ فمع وجود مثل هذا الأب والأُم الطاهرين، ما هذا الوضع الذي نراك عليه؟ فأي سوء رأيت في سلوك الأب وخلق الأُم حتى تحيدي عن هذا الطريق؟ قولهم لمريم: “يا أخت هارون” وقع مثار الإِختلاف بين المفسّرين، لكن يبدو أنّ الأصح هو أنّ هارون رجل طاهر صالح إِلى الدرجة التي يضرب به المثل بين بني إِسرائيل، فإذا أرادوا أن يصفوا شخصاً بالطهارة والنزاهة، كانوا يقولون: إِنّه أخو أو أخت هارون، وقد نقل العلاّمة الطبرسي في مجمع البيان هذا المعنى في حديث قصير عن النّبي صلى الله عليه وآله وسلم. وفي حديث آخر ورد كتاب سعد السعود، عن المغيرة، أنّ النّبي صلى الله عليه وآله وسلم بعثه إِلى نجران لدعوتهم الى الإِسلام فقالوا (معترضين على القرآن): ألستم تقرؤون “يا أخت هارون” وبينهما كذا وكذا) (حيث تصوروا أنّ المراد هو هارون أخو موسى) فلمّا لم يستطع المغيرة جوابهم ذكر ذلك للنّبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: (ألا قلت لهم: إِنّهم كانوا يسمّون بأنبيائهم والصالحين منهم) أي ينسبون الاشخاص الصالحين منهم الى الأنبياء.

جاء في كتاب مصباح المنهاج / التجارة للسيد محمد سعيد الحكيم: وبذلك يظهر أنه لو أكره الولي على إيقاع المعاملة عن المولى عليه، وهو لا يحرز على نحو يخاف من الإضرار به لو خالفه، يستتبع الإضرار. لكن الخبر مع ضعفه في نفسه، لأن في طريقه عبد الله بن القاسم المشترك بين الموثق والضعيف والمجهول لابد من الاقتصار فيه على مورده، وهو اليمين، لظهور أن الإكراه يعمّ ما يقع من السلطان ويستتبع الضرر الفادح، وليس مقابلاً للجبر الحاصل من السلطان، كما تضمنه الخبر. ولاسيما بملاحظة مثل قوله تعالى: “لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي” (البقرة 256). وقوله سبحانه: “أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين” (يونس 99)، وقوله عز وجل: “إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان” (النحل 106)، وقوله جل شأنه حكاية عن السحرة مع فرعون: “إنا آمنا بربنا ليغفر لنا خطايانا وما أكرهتنا عليه من السحر (طه 73)، وقوله عز اسمه: “ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن تحصنا” (النور 33)، لظهور أن حمل المولى للأمة يبتني على التخويف، نظير حمل السلطان للرعية. بل مادة الكره بالفتح تناسب القسر، ولذا تقابل بالطوع كما في كثير من الآيات الشريفة، وهو مناسب لحمل الإكراه على الدفع نحو المطلوب من طريق التخويف بالضرر الفادح، بحيث يشبه القسر الرافع للاختيار. ومن ثم لا مجال للخروج بالخبر المتقدم عن جميع ذلك.

جاء في موقع براثا عن ظاهرة البغاء والمخدرات للكاتب محمود الهاشمي: 1- ليس هنالك من دولة في العالم لاتوجد فيها منطقة يلتقي بها المشردون والمتاجرون بالبغاء. 2- ظاهرة البغاء ولدت مع نشوء البشرية واصبحت جزء من تاريخ الشعوب. 3- كل الحضارات انتجت ظاهرة المشردين وتعاملت معها وفقا لثقافتها. 4- لاتخلو مسلة او سنن وقوانين من مواد عن البغاء وكيفية التعامل معه، وهناك عقوبات بالضد او حماية الحقوق. 5- الاسلام ورث ظاهرة البغاء من (الجاهلية) ونزلت ايات للتعامل مع هذه الظاهرة الآية المقصودة هي قوله تعالى: “وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ” (النور 33) والبغاء محرم بالاسلام. ومنع اكراه المرأة على العمل به. 6- جعل الحكمة على لسان صاحبة الحانة التي طلبت من كلكامش عدم القيام برحلته لان الخلود للالهة والموت كتب على البشر. 7- في اوربا حاولوا تنظيم هذه الظواهر وحتى قبل ايام كانت هناك نقاشات في مجلس النواب الهولندي بشان البغاء وكيفية التعامل مع المتعاطين بها. 8- ان من يريد ان يحافظ على دينه وقيمه وتاريخه ان يبدأ بالحفاظ على الاسرة لانها المدرسة الاولى في التربية وقديما قال فلاطون (لاتعاقبوا المراة الباغية بل عاقبوا من ساقها الى هذا المنزلق ) -تؤكد دراسات علم النفس ان النساء اللواتي يلتحقن بالبغاء يعانين من نقص في التفكير وسرعة الانهيار امام اي صدمة نفسية لذا من الضروري اخضاعهن للمتابعة والتقويم. 9- ان المراة ولدت لتكون اماً وليس ان تخضع لابتزاز المجتمع واكراهها على عمل يحط من قيمتها “وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ” (الروم 21) اذن صناعة الانسان والزواج اية من ايات الله سبحانه وتعالى طالبا الله سبحانه من اصحاب العقول “لقوم يتفكرون” ان يتبصروا ذلك. 10- انزال أشد العقوبات على السماسرة الخاصين بالبغاء او المخدرات.