الفصائل المسلحة بين خطاب حصر السلاح واعادة التموضع في الشرق الأوسط الجديد

Oplus_16908288

بقلم : خالد الغريباوي

تعكس التصريحات الأخيرة لبعض قادة الفصائل المسلحة في العراق حول القبول المبدئي بحصر السلاح بيد الدولة تحوّلاً في الخطاب أكثر مما تشير بالضرورة إلى تحوّل في البنية أو الوظيفة، فهذه اللغة التي كانت تُعدّ حتى وقت قريب خارج نطاق الممكن السياسي، برزت في لحظة إقليمية تتغيّر فيها قواعد الضبط والسيادة، ما يجعلها جزءاً من إعادة التموضع لا إعلاناً عن نهاية الدور المسلح.

من منظور علم السياسة، يمكن قراءة هذه التصريحات ضمن منطق التكيّف الاستراتيجي تحت الضغط، حيث تسعى الفواعل غير الدولتية إلى الحفاظ على النفوذ عبر تعديل الأدوات والخطاب، لا عبر التفكيك الذاتي. فالفصائل، بوصفها فواعل هجينة تجمع بين القوة الصلبة والعمل السياسي، تدرك أن استمرارها بات مشروطاً بالاندماج الشكلي في منظومة الدولة دون التفريط الكامل بأوراق القوة التي راكمتها خلال عقدين من الاضطراب.

ويتقاطع هذا السلوك البراغماتي مع موقف مرجعية النجف، حيث دعت في أكثر من خطاب إلى حصر السلاح بيد الدولة وربط الاستقرار بوجود مؤسسة عسكرية وأمنية خاضعة حصراً للقرار الوطني، رغم أن التطبيق العملي لم يصل بعد إلى هذا المستوى.

يتقاطع هذا التحول الخطابي أيضاً مع متغير دولي أكثر صلابة، تجلّى في تصريحات المبعوث الأميركي سافايا، التي أعادت تعريف شروط الشرعية السياسية للحكومة العراقية المقبلة. فالمعادلة المطروحة لم تعد تتعلق بإدارة التوازنات، بل بإنهاء ازدواج القرار السيادي، وهو ما يجعل ملف السلاح معياراً مركزياً في تقييم أي حكومة، لا ملفاً تفاوضياً قابلاً للتأجيل.

أما الفصائل ذات الارتباطات العقائدية والإقليمية العميقة، مثل النجباء وكتائب حزب الله، فإن استجابتها المحتملة لا يمكن فصلها عن حسابات المحور الأوسع الذي تنتمي إليه. ومن المرجح أن يكون الخيار المفضل هو إعادة توزيع الأدوار: تخفيف الظهور العسكري، تعزيز الحضور السياسي، والتحول إلى قوة ردع كامنة، لا الانخراط في مسار نزع سلاح كامل.

في هذا السياق، لا يبدو أن الولايات المتحدة أو القوى الدولية المعنية بصياغة «الشرق الأوسط الجديد» مستعدة لمنح شرعية قائمة على النيات. فالتجربة الطويلة مع الدولة العراقية أفرزت مقاربة تقوم على السلوك المؤسسي للدولة، لا على التفاهمات مع الفواعل المسلحة. وعليه، فإن الثقة باتت مرتبطة بقدرة الحكومة على احتكار العنف المشروع وفق تعريف ماكس فيبر الكلاسيكي للدولة.

خلاصة القول: خطاب حصر السلاح يعكس إدارة الفصائل للمخاطر لا تفكيكها، والعراق أمام خيار ترسيخ الدولة السيادية أو استمرار التعايش الهش مع الفصائل، وهو خيار لم يعد الإقليم يحتمله.