جمال الناصري
رائحة الفوح**
لم أشم رائحة زكية في حياتي مثل تلك الرائحة قط..
فقد امتزجت معها رائحة أمي مع رائحة الرز (العنبر) مع رائحة البساطة و الفقر..
حينما كنت طفلا طريا، وحينما يشتد بي الجوع، وقبل ان ينتهي الطعام من يد أمي وهي تخوط ب(الجفجير) حوض القدر على النار، تنبعث تلك الرائحة الطيبة منه، فتنعش روحي ويسيل له لعاب فمي..
– يمه تره انا يوعان..
فترد امي بكلمات الصبر حتى ينضج الطبيخ، ولكنني لا اصبر على الجوع، فارفس الارض باقدامي..
-يمه ،اكلك انا يوعان..
تتتوقف امي برهة من الزمن وهي تفكر عن حل عاجل يسد جوعي، فتمد يدها نحو اناء صغير او طاسة معدنية، ثم تغرف من القدر مقدارا من الماء الاسمر وهو ماء الفوح الذي تفوح منه روائح عبقة..
انزوي بعيدا ،ثم ارتشف ما في الماعون من سائل، و اتحمل لسعة الحرارة فيه من اجل ان اشبع، بعد كل رشفة اطلق صوتا معبرا عن الانتعاش في الفوح ومذاقه الرائع..
_ اححح، احححح، اححح..
ذهبت امي الى بارئها ،و لم تبق سوى الذكريات التي مابين الفوح وأمي…
كلما أشم رائحة الفوح، أتذكر أمي..
جمال الناصري