الجزء الثامن من سلسلة ..من يختار الحكومة في العراق ؟

حسن درباش

بغداد ٢٠٢٥/١٢/٣٠ ليلة رأس السنة

إذن نكمل… ولكن هنا ندخل المنطقة التي يُفضّل كثيرون تسميتها “تشاؤمًا” لأنها تقترب كثيرًا من الواقع.

سأضع السؤال بصيغته الأخطر، ثم أمضي في تفكيكه بهدوء.

هل العراق دولة قابلة للإنقاذ بصيغته الحالية؟ وبالخصوص بعدما رئيناه اخيرا من اختيار شخص رئيس البرلمان العراقي الجديد ،وآلية الاختيار ومستوى الشخصية بالمقارنة بما يمتلك العراق من شخصيات فذه وهو البلد الذي يشتهر عالميا بمستوى الذكاء والكارزما والتأثير !!

أم أننا نعيش إدارة ذكية لانهيار مؤجّل؟

هذا السؤال لا يُطرح عادة في العلن، لأن طرحه بحد ذاته يُعد تهديدًا للسردية الرسمية. لكن أي تحليل جاد لا يستطيع القفز فوقه.

العراق اليوم ليس دولة فاشلة بالمعنى الكلاسيكي، ولا دولة مستقرة بالمعنى الحقيقي. هو دولة مُعلّقة: لا تسقط، ولا تنهض. وهذا أخطر وضع يمكن أن تعيشه دولة.

الإنقاذ فية يفترض وجود ثلاثة شروط:

إرادة سياسية صادقة ، بنية مؤسسية بعيدة عن التدخلات ، وبيئة إقليمية تسمح بالحسم.

والمشكلة أن العراق يفتقد الثلاثة معًا، لا منفردة.

أولًا: الإرادة السياسية… موجودة بالكلام فقط

لا توجد في العراق اليوم كتلة سياسية كبرى مستعدة لدفع كلفة بناء دولة كاملة.او انها مستعده للتنازل عن مصالحها المادية المتحققة من تلك الفوضى المؤسسية !

لماذا؟

لأن بناء الدولة يعني بالضرورة خسارة امتيازات راكمتها القوى الحالية خلال عقدين.

الدولة القوية تعني: قانون نافذ،

اقتصاد منضبط،

سلاح واحد،

ومساءلة حقيقية.

وهذه الأربعة مجتمعة تهدد كل المنظومة بلا استثناء. او ان هنالك من يجدها تهديد وجودي ،

لذلك، تتفق القوى – رغم صراعاتها – على إبقاء الدولة في منطقة “القوة المحدودة”.

ثانيًا: البنية المؤسسية… مفرغة من الداخل

قد يبدو للعابر أن العراق يمتلك مؤسسات: برلمان، حكومة، قضاء، جيش.

لكن المشكلة ليست في الوجود، بل في الوظيفة.

المؤسسة في العراق غالبًا:

تعمل بانتقائية

تخضع لتوازنات

وتُفرغ من مضمونها حين تقترب من ملف حساس

الدولة العميقة لم تُلغِ المؤسسات، بل سكنت داخلها.

ولهذا، أي محاولة إصلاح من داخل المؤسسة تصطدم بجدار غير مرئي، لكنه صلب.

ثالثًا: البيئة الإقليمية… لا تريد عراقًا حاسمًا

وهذه نقطة مفصلية.

العراق، بحجمه وموقعه وثروته، ليس مسموحًا له إقليميًا أن يكون دولة مكتملة الإرادة.

ليس لأنه لا يستحق، بل لأن وجوده كدولة قوية يربك توازنات قائمة.

المنطقة مبنية على دول وظيفية:

دولة للضغط،

دولة للتهدئة،

دولة للعزل،

ودولة للربط.

والعراق موضوع في خانة “الربط والامتصاص”، لا في خانة القيادة.

إذن… ما الذي يحدث فعليًا؟

ما يحدث ليس فشلًا عشوائيًا، بل إدارة ذكية للفشل.

رواتب تُدفع لتجنّب الانفجار،

خدمات بالحد الأدنى لمنع الغضب،

أزمات تُحل جزئيًا لتبقى قابلة للاستخدام السياسي،

وفساد يُدار لا يُستأصل.

العراق لا يُدار ليُشفى، بل ليبقى واقفًا على قدميه بصعوبة، لأن سقوطه مكلف للجميع… ونهوضه الكامل مقلق للجميع.

هل هذا يعني أن العراق ميؤوس منه؟

لا.

لكن يعني أن الإنقاذ لن يأتي بالطريقة التي يتخيلها الناس.

لن يأتي عبر: انتخابات فقط،

ولا عبر شخص “منقذ”،

ولا عبر صدمة خارجية إيجابية.

الإنقاذ – إن حدث – سيكون: بطيئًا،

متدرجًا،

ومؤلمًا.

وسيبدأ من نقطة غير شعبية إطلاقًا: إعادة تعريف الدولة لا تغيير الوجوه.

الخلاصة الثقيلة

العراق  ليس على حافة الانهيار،بل يقف على منزلق ومتشبث

و لكنه أيضًا ليس على طريق النهوض.

هو في منطقة وسطى خطرة،

تُستهلك فيها الأعمار،

وتُدار فيها الأزمات،

ويُعاد فيها إنتاج السؤال نفسه كل أربع سنوات.

ولهذا، السؤال الحقيقي لم يعد: من يختار الحكومة؟

بل: هل الحكومة أصلًا هي الأداة المناسبة لإنقاذ العراق؟

أم أننا نبحث عن الحل في المكان الخطأ منذ عشرين عامًا؟

، في الخطوة القادمة وفي الجزء التاسع  سنذهب أبعد:

لتفكيك وهم “الإصلاح من داخل النظام”

و مناقشة سيناريوهات العراق خلال العشر سنوات القادمة

و الاقتراب من السؤال الأخطر سياسيًا: هل التقسيم الناعم واقع يُدار بصمت؟

سأجيبك في الاجزاء القادمة بأذن الله وتوفيقه..

بغداد

٣٠/١٢/٢٠٢٥