الجزء الحادي عشر من سلسلة
من يختار الحكومة في العراق
بقلم الكاتب والخبير السياسي
حسن درباش العامري
… إذن نصل إلى المرحلة الأخيرة من التفكيك، وأختار أن أقدّمها بصيغة سرد تحليلي متصل، يضع القارئ أمام الحقيقة دون مواربة.
من يختار الحكومة في العراق؟
حين تتحول الدولة إلى(( إدارة توازن)) لا مشروع وطن
في العراق، لم يعد سؤال “من يختار الحكومة؟” سؤالًا دستوريًا أو إجرائيًا، بل سؤالًا وجوديًا. لأن التجربة المتراكمة منذ 2003 أثبتت أن الحكومات لا تُنتج مسارًا، بل تُدار ضمن مسار مرسوم سلفًا، وأن التغيير الذي ينتظره الناس يتبخر دائمًا عند بوابة التوازنات.
ظاهريًا، يذهب المواطن إلى صندوق الاقتراع، تُعلن النتائج، تتشكل الكتل، وتبدأ المفاوضات. لكن هذه الصورة، على اكتمالها الشكلي، تخفي حقيقة أكثر قسوة: الحكومة في العراق لا تُختار لتقود الدولة، بل لتمنع انهيارها… دون أن يُسمح لها بإنقاذها.
العراق ليس دولة عادية في حسابات الداخل ولا الخارج. هو عقدة طاقة، ونقطة ربط جغرافي بين الشرق والغرب، وخاصرة أمنية رخوة، وساحة نفوذ إقليمي، ومخزون بشري قابل للاشتعال عند أول شرارة. لهذا السبب تحديدًا، لا يُترك خيار الحكومة للعراقيين وحدهم، ولا حتى لأحزابهم.
الولايات المتحدة تريد عراقًا مستقرًا بما يكفي لحماية مصالحها ، لكنه غير مكتمل السيادة إلى حد يربك المعادلة الإقليمية. إيران تريد عراقًا مستقر و لا يشكل تهديدًا أمنيًا لها ، ولا يخرج من مجال نفوذها الاستراتيجي وعلاقتها الستراتيجية به . تركيا تبحث عن نفوذ حدودي واقتصادي طويل الأمد. الخليج يريد عراقًا غير معادٍ وتفضله ضعيفا والكويت بالخصوص تطلب عراق ضعيف يستجيب لطموحاتها في التوسع على حساب اراضيه ومياهه ، وغير تابع بالكامل لطهران. أوروبا تريد طاقة بلا فوضى، وروسيا والصين تريدان موطئ قدم دون صدام مباشر. النتيجة ليست اتفاقًا شاملًا، بل توازن منع، حيث يمنع كل طرف العراق من الذهاب بعيدًا باتجاه طرف آخر.
ضمن هذا السقف، تتحرك الأحزاب العراقية. وهي، خلافًا للصورة الشائعة، ليست صاحبة قرار سيادي مستقل، بل أدوات تفاوض محلية ضمن شبكة أوسع. الأحزاب لا تسأل: ما مصلحة الدولة؟ بل تسأل: هل هذا الخيار يخلّ بتوازن الداخل؟ هل يفتح مواجهة مع الخارج؟ هل يهدد شبكة المصالح التي تقوم عليها؟ ولهذا، لا تُبنى التحالفات على البرامج، بل على الطمأنات.
البرلمان، بدوره، لم يعد سلطة تشريعية ورقابية، بقدر ما أصبح أداة تعطيل. الوزن البرلماني الحقيقي لا يُقاس بعدد المقاعد، بل بالقدرة على كسر النصاب، تعطيل الجلسات، وفرض الشروط. كتلة صغيرة مرتبطة بقوة خارج البرلمان قد تكون أكثر تأثيرًا من كتلة كبيرة بلا أدوات ضغط. وهكذا، تصبح “الكتلة الأكبر” مفهومًا مرنًا، لا يحكم بقدر ما يمنع.
إلى جانب ذلك، توجد قوى خارج الدولة، تمتلك السلاح والاقتصاد والقدرة على الردع. هذه القوى لا تحتاج أن تكون داخل الحكومة لتؤثر عليها. حضورها بحد ذاته رسالة، وقدرتها على التعطيل كافية لفرض حساباتها. أي رئيس وزراء لا يقرأ هذه المعادلة، أو يحاول القفز فوقها، يجد نفسه محاصرًا أو مفرغًا من الصلاحيات.
وسط كل ذلك، يقف المواطن في موقع الشاهد الغائب. صوته يُستدعى لمنح الشرعية، ثم يُعاد إلى الهامش. غضبه موسمي، غير منظم، ويُحتوى بالوقت أو الوعود أو الاستنزاف. ليس لأن المواطن غير مهم، بل لأنه لم يتحول بعد إلى قوة مستدامة قادرة على فرض معادلة جديدة.
وهنا تتجلى صورة “الدولة العميقة” العراقية، لا ككيان واحد خفي، بل كشبكة مصالح متعددة الطبقات: سياسية، أمنية، اقتصادية، وخارجية. شبكة لا تحكم مباشرة، لكنها تحدد ما إذا كانت الحكومة ستُسمح لها أن تكون حكومة فعلًا. هذه الدولة العميقة لا تُكسر بخطاب، ولا تُهزم بانتخابات، لأنها تعيش على الاقتصاد الموازي، والتواطؤ الصامت، وإدارة الفشل لا معالجته.
ما يجري في العراق اليوم ليس انهيارًا، بل إدارة ذكية لانهيار مؤجّل. الدولة تُبقي رأسها فوق الماء عبر الرواتب، والخدمات بالحد الأدنى، وتسويات تمنع الانفجار دون أن تنتج إصلاحًا. في هذا السياق، يتقدم ما يمكن تسميته “التقسيم الناعم”: دولة واحدة على الورق، لكن بقرارات متعددة، ومساحات نفوذ، وثقة منقسمة. لا خرائط جديدة، ولا أعلام، فقط شعور متزايد بأن القرار لا يُصنع هنا.
لهذا، فإن السؤال الحقيقي لم يعد: من يختار الحكومة في العراق؟
بل: لماذا تُختار الحكومة دائمًا لتدير التوازن، لا لتكسره؟
ولماذا يُعاد إنتاج الفشل ذاته، مهما تغيرت الأسماء؟
الإجابة المؤلمة أن النظام السياسي الحالي لا يُصلح نفسه، ولا يسمح بإصلاح جذري من داخله. ومن دون تغيير ميزان القوى الاجتماعية والاقتصادية، وبناء طبقة وسطى مستقلة، واقتصاد أقل ريعية، ومجتمع منظم طويل النفس، ستبقى الحكومات تتغير… ويبقى المسار واحدًا.
العراق لا ينقصه الوعي، ولا الموارد، ولا التضحيات. ما ينقصه هو قرار الخروج من منطقة “الدولة المُدارة” إلى “الدولة صاحبة القرار”. وحتى يحدث ذلك، ستبقى الحكومة سؤالًا ثانويًا، وتبقى الحقيقة الكبرى معلّقة:
الدولة التي لا تختار حكومتها بحرية، لا تختار مستقبلها أيضًا.