د. فاضل حسن شريف
جاء في الموسوعة الحرة عن انقلاب 14 تموز أو ثورة 14 تموز: تعثر أداء الحكومة: بعد نجاح حركة 14 تموز 1958 مباشرة، شارك قادتها في تولي المسؤوليات بدافع من المصلحة العامة لبناء العراق، الذي كان يعاني من مشاكل اجتماعية واقتصادية وسياسية كبيرة ورثها عن الحكم الملكي. عمل الجميع، بروح من الأخوة والزمالة، على بناء الوطن، متأثرين بساعات نضال طويلة ومشحونة بدماء من سبقهم، وبحماس الشباب الذين حملوا الآمال والطموحات لتحقيق تطلعات الشعب. ولكن كما يقال، لا تجري الرياح دائمًا بما تشتهي السفن، فقد بدأ يظهر الاختلاف بين قادة الحركة، وبرز عبد الكريم قاسم كقائد أوحد لإدارة دفة الحكم، مما أدى إلى تراجع إشعاع الثورة وبريقها، خصوصًا بعد سلسلة من الأخطاء غير المدروسة التي ارتكبها قاسم. لقد غيرت الثورة معالم العراق تغييرًا جذريًا، حيث تحولت من نظام قبلي إلى نظام معاصر. قضت على نفوذ الإقطاع وأحدثت إصلاحات جذرية، مثل قانون الإصلاح الزراعي الذي رغم معارضة بعض الفئات لأسلوب تنفيذه، نقل الفلاحين من العبودية إلى التملك. كما أُجريت حملات كبيرة في مجالي التعليم والصحة، بالإضافة إلى بناء الأحياء السكنية للفلاحين والطبقات العاملة. الزعيم الأوحد: تحول عبد الكريم قاسم من زعيم للثورة إلى زعيم أوحد، حيث بدأ تدريجيًا في جمع كل السلطات بيده. استحوذ على مركز صناعة القرار وأخذ يفرغ زملاءه من صلاحياتهم. أصبح رئيسًا للوزراء، وزيرًا للدفاع، والقائد العام للقوات المسلحة، وكان يتفاخر بذلك في مقابلاته الإعلامية التي وصفته بـ”الزعيم الأوحد”. كما كان يكرر في تصريحاته أسلوبه في الحكم قائلًا: “أعتبر العراق وحدة عسكرية والشعب هم جنودها”. عند نجاح الحركة وقيام الجمهورية، كان العمل في القيادة جماعيًا، ومع ذلك، سمحت وزارة الداخلية التي كان عبد السلام عارف يشغل منصب وزيرها بتأسيس بعض الأحزاب مثل الحزب الإسلامي العراقي وحزب الدعوة الإسلامية. لكن بعد أن حصر قاسم الصلاحيات بيده، ألغى هذه الأحزاب ولم يسمح بإنشاء أي أحزاب جديدة سوى الحزب الشيوعي العراقي الذي كان شريكًا له في السلطة.
التفرد والانعزال: بعد نجاح الحركة، اتخذ عبد الكريم قاسم خطوات إضافية نحو التفرد والانعزال، مما أسهم في تحوله إلى زعيم أوحد. لم يمنح قاسم مجلس السيادة أي صلاحيات حقيقية، بل جعله مجرد واجهة شكلية بلا سلطة تنفيذية أو تشريعية. كما منع انتخاب رئيس الجمهورية، مما جعل المنصب معلقًا طوال فترة حكمه. بالإضافة إلى ذلك، عطل تأسيس المجلس الوطني لقيادة الثورة كما كان متفقًا عليه في تنظيم الضباط الوطنيين “الأحرار”، وحل مجلسي النواب والأعيان اللذين كانا تابعين للحكم الملكي، ولم يفسح المجال لانتخاب مجلس نواب جديد. قام قاسم بإصدار أحكام إعدام وسجن بحق قيادات حركة/ثورة 1958 من زملائه وأعضاء تنظيم الضباط الوطنيين بغرض التصفية السياسية. شملت هذه التصفيات كل شخصية وطنية تعارضه أو تبرز في الساحة السياسية، حيث قام بتلفيق التهم وزج بعضهم في السجون، فيما أعدم آخرين. استخدم حركة عبد الوهاب الشواف الانقلابية كذريعة للتصفية، وعمّت عمليات القصف المباشر بالطائرات ضد الذين شاركوا في الثورة. وحوكم بعض الأفراد في “محكمة الشعب” حيث تعرضوا للتعذيب والإعدام، وكان من أبرز المعدومين العميد الركن ناظم الطبقجلي والعقيد رفعت الحاج سري الدين. رغم إصداره أحكامًا بالإعدام ضد شخصيات مثل رشيد عالي الكيلاني باشا والعقيد الركن عبد السلام عارف، إلا أنه لم ينفذها بسبب الضغوط الشعبية. واصل قاسم عسكرة الدولة، فسيطر على الشركات والمؤسسات العامة عبر تعيين ضباط من الجيش في مناصب مديرين لها، وكان اهتمامه منصبًا على تقوية المؤسسة العسكرية، بينما أهمل تطوير القطاع الاقتصادي. بدأت الحكومة العراقية تأخذ شكلًا عسكريًا، مع تطبيق الأحكام العرفية العسكرية على الحياة المدنية. أصبحت السلطة الفعلية في يد الجيش والشيوعيين، تحت قيادة قاسم. وتشكلت المحكمة العسكرية الخاصة العليا (المعروفة بمحكمة المهداوي)، والتي عُرفت بأنها محكمة “هزلية” استخدمت للتصفية السياسية تحت قيادة رئيس المحكمة المقدم فاضل عباس المهداوي. استخدمت وسائل تعذيب وإهانة الموقوفين، وكانت محاكمات هذه المحكمة تمثل منبرًا إعلاميًا لحكومة قاسم. بالإضافة إلى ذلك، استغل عبد الكريم قاسم منصبه لتعيين أفراد عائلته وأصدقائه في المناصب الهامة، مثل تعيين ابن خالته فاضل عباس المهداوي رئيسًا للمحكمة العسكرية العليا. كما منح أفراد عائلته أراضٍ سكنية ورعاية خاصة في إطار قانون الإصلاح الزراعي، بما في ذلك شقيقه “البرنس” حامد قاسم الذي قام بالإشراف على توزيع الأراضي الزراعية. فيما يخص سياسة النفط، لم يقم قاسم بتأميم نفط العراق رغم الظروف المواتية بعد تأميم إيران ومصر لصناعاتهما النفطية. بدلاً من ذلك، تبنى قانون النفط رقم 80 الذي سمح للعراق باستكشاف حقول نفطية جديدة. عُرفت فترة حكم قاسم أيضًا بميله للطائفية والعرقية، حيث فضل توزيع الأراضي على الفلاحين والمهاجرين الشروقيين، الذين كانوا ينتمون إلى فئة عائلته، مما أدى إلى تعزيز دعمه في هذه الفئة. أخيرًا، نقض قاسم القرارات المتعلقة بحل القضية الكردية والتي كانت قد بدأت في ظل العمل الجماعي من خلال دعوة الملا مصطفى البارزاني للعراق. لكنه بعد تفرده بالسلطة، قام بقمع الأكراد وشن هجومًا عسكريًا ضدهم عام 1961 فيما عرف بـ”الثورة الكردية”.
جاء في صحيفة العرب عن انقلاب 14 تموز 1958: خطأ محوري في تاريخ العراق الحديث للكاتب أدهم ابراهيم: انتهى حكم الزعيم قاسم نفسه بشكل عنيف في عام 1963 عندما تمت الإطاحة به وإعدامه في انقلاب قاده حزب البعث، والذي شهد في ما بعد تشكيل الحرس القومي لحماية النظام الجديد. وانتظم فيه الآلاف من البعثيين. وقد ارتكب جرائم بشعة بحق الشيوعيين وأنصار عبد الكريم قاسم، لا تقل بشاعة عن جرائم المقاومة الشعبية. كانت إحدى أهم عواقب انقلاب عام 1958 هي عدم الاستقرار السياسي المزمن الذي أطلقه. وتتابعت سلسلة من الانقلابات والانقلابات المضادة. وكان أبرزها صعود حزب البعث عام 1968 الذي شهد ازدهارًا اقتصاديًا أوليًا، لكن سياسات النظام اللاحقة في الثمانينات وما بعدها من جرائم وانتهاكات لحقوق الإنسان وحرب الخليج وعسكرة المجتمع والعقوبات الدولية دمرت اقتصاد العراق ومستقبله. وقد تسبب الغزو الذي قادته الولايات المتحدة عام 2003 في تشكيل نظام سياسي قائم على الانقسامات الطائفية والعرقية، فأطلق العنان لموجات جديدة من العنف، وخلق بيئة يمكن أن تترسخ فيها الأيديولوجيات المتطرفة. واليوم، لا يزال العراق يواجه تحديات كبيرة. ولا يزال السلوك الطائفي والانقسام السياسي وما رافقهما من تفش للفساد والبطالة والمخدرات، إضافة إلى ضعف الخدمات المقدمة إلى المواطنين وعلى الأخص في مجال الكهرباء والصحة والتعليم والصعوبات الاقتصادية المستمرة، قد أعاقت بناء دولة مستقرة ومزدهرة. أن إرث انقلاب عام 1958 واضح في صراعات العراق المستمرة، والتي أعاقت بناء عراق ديمقراطي وموحد. والخلاصة، إن انقلاب عام 1958 كان حدثًا محوريًا في تاريخ العراق، وقد وعد بالكثير ولكنه أدى في النهاية إلى عقود من المعاناة والاضطرابات. الإطاحة بالنظام الملكي وما تلا ذلك من عدم الاستقرار السياسي وضعا العراق على طريق الاستبداد والصعوبات الاقتصادية والصراع الطائفي. إن فهم تأثير هذا الانقلاب أمر بالغ الأهمية لفهم صراعات العراق المعاصرة والسعي المستمر لتحقيق الاستقرار والوحدة في بلد يتطلع أبناؤه إلى المستقبل بمنظار الأمل والتفاؤل.
جاء في موقع الاتحاد الوطني الكردستاني عن 14 تموز انعطافة سياسية في تاريخ العراق: معيشية الجماهير في العهد الملكي: يدعي دعاة عودة الملكية بأن الشعب العراقي كان يعيش في رخاء في العهد الملكي. ولإلقاء اللوم على ثورة تموز وعدم ضرورتها، وما حصل فيما بعد، يستشهد هؤلاء بحكاية لا أدري مدى صحتها، ولكن لنفترض أنها صحيحة، خاصة وقد رواها المؤرخ العراقي الراحل مير بصري في كتابه (أعلام السياسة في العراق الحديث) عن ثورة 14 تموز، وقد راح يرددها بعض الأخوان بمناسبة وبدونها كدليل قاطع على عدم وجود أي مبرر للثورة وأن الناس كانوا يعيشون في بحبوحة من العيش. والحكاية مفادها أن أحد المهندسين العراقيين دعا زميلاً روسياً له إلى داره لتناول الطعام (أيام ثورة 14 تموز). فرأى الروسي السيارة الأمريكية الضخمة واقفة عند الباب والثلاجة والمبردة الكهربائية وسائر وسائل الترف والراحة في داخل الدار. وجيء بالطعام فإذا به وافر شهي على عادة العراقيين في تكريم ضيوفهم. أما الويسكي والبيرة والشراب والكوكاكولا فحدث عن البحر ولا حرج. وتستمر الحكاية ” لم يصدق الخبير الروسي عينيه فقال لصاحبه: هل تعطيكم الحكومة كل هذه الأشياء من سيارة ومبردة وغيرها؟ فأجاب المهندس العراقي بأن الحكومة: “تمنحنا راتباً شهرياً، ولكن هذه الأشياء كلها لنا، والدار ملكناالخ. فلم يتمالك الروسي نفسه أن قال: فلما ثرتم إذن؟. لقد فات مؤرخنا أن المترفين من أصحاب الفيلات والسيارات الأمريكية الفخمة ليسوا هم الذين يقومون بالثورات أو سبباً لها، ولن تقوم الثورات من أجلهم. فهؤلاء عادة يخاصمونها ويناهضون أي تغيير وذلك خوفاً على مصالحهم وامتيازاتهم. إن القوى المحركة للثورات ودوافعها الأساسية هي الجماهير المضطَهَدة الجائعة والمحرومة من أبسط حقوق المواطنة وليس المهندس صاحب البيت المريح والسيارة الأمريكية الفارهة. كم كانت نسبة العراقيين في العهد الملكي الذين كانوا يعيشون مثل صاحبنا المهندس مالك البيت المريح والسيارة الأمريكية الفارهة؟ إن الأغلبية العظمى من الشعب أي 70% منهم كانوا يعيشون في أكواخ بائسة في الأرياف وعلى أطراف المدن وفي حالة بؤس رهيب. يؤكد عالم الاجتماع علي الوردي أن معاناة الجماهير من سكان “خلف السدة” في بغداد وغيرها، هي السبب الرئيسي لتفجير الثورات وسفك الدماء وعدم الاستقرار السياسي والاجتماعي في العراق، ولا يمكن إيقاف الثورات والهزات الاجتماعية العنيفة طالما وجدت هذه الأكواخ وحتى ينال هؤلاء حقوقهم في العيش اللائق بكرامة الإنسان، وإلا فهناك المزيد من سفك الدماء. وهذا بالضبط ما كان يصرح به قائد الثورة الزعيم عبد الكريم قاسم عندما قال مرة إن من أهداف الثورة رفع مستوى الفقراء المعيشي وليس إفقار الأغنياء. فتهكم عليه السياسيون المحترفون.
السياسة الخارجية في العهد الملكي: لم تكن السياسة الخارجية بأي شكل من أشكالها في صالح الشعب العراقي والشعوب العربية والإقليمية والعالم. فقد ربط العراق في معاهدات سياسية وأحلاف عسكرية تضر بالعراق والمنطقة والسلام العالمي حسب مفاهيم ذلك الوقت. وأبسط مثال على ذلك هو أيام العدوان الثلاثي على مصر عام 1956 حيث كانت السلطة الملكية منحازة إلى قوى العدوان متحدية بذلك مشاعر الجماهير الوطنية والقومية، ذلك الموقف المشين الذي ساهم كثيراً في التعجيل في إسقاط النظام الملكي. كان موقف نوري سعيد مؤيداً ومشجعاً للعدوان على مصر، حيث تبيَّن في ما بعد، أنه في ليلة 26 تموز 1956، كان أنتوني إيدن، رئيس وزراء بريطانيا يقيم مأدبة عشاء على شرف الملك فيصل الثاني الذي كان في زيارة إلى لندن، وقُبَيْل نهاية العشاء دخل أحد العسكريين وسلم إيدن قصاصة من الورق، ولما قرأها أبلغ ضيوفه أن عبد الناصر أعلن تأميم قناة السويس، ولما طلب مشورة نوري السعيد ورأيه قال له: “لم يبق أمامكم سوى سبيل واحد للعمل وهو: اضربوه الآن واضربوه بشدة، وإلا سيفوت الأوان”. ضياع الفرصة التاريخية: حقاً لقد كانت أمام حكام العهد الملكي فرصة ذهبية فريدة من نوعها في تاريخ العراق الحديث، لترسيخ قيم الديمقراطية لو توفرت لديهم النوايا الحسنة، وأدركوا أهمية الاستمرار في التطور التدريجي السلمي وتربية المجتمع العراقي على الديمقراطية واحترام نتائج الانتخابات البرلمانية، لما كانت هناك حاجة لثورة 14 تموز 1958، ولما مر العراق بهذه الهزات والإرهاصات والأزمات العنيفة وسلسلة الكوارث المتواصلة. وخير مثال للمقارنة، هو الأردن الذي كانت تشبه ظروفه إلى حد ما ظروف العراق، ولكنه نجى من هذه الهزات لأنه لم يحصل فيه القمع السياسي كما حصل في العراق الملكي، ولم يظهر في الأردن شخص يمقت الجماهير والديمقراطية كنوري السعيد. يقول الجواهري عن نوري السعيد والوضع قبل الثورة: “إن الفترات الحرجة التي سبقت الثورة كان نوري السعيد خلالها يهيمن على حياة البلاد السياسية بشكل غير مسبوق حتى في الفترات القليلة التي كان لا يؤلف فيها هذه الوزارة أو تلك إنه خلق اللعنة الموروثة، التي أعجزت خلفاءه عن إتباع سياسة خاصة بهم. وكان حكم (نوري) استبدادياً قضى خلاله على كل نشاط سياسي وهو يعتمد على دعم الجيش وعلى كفاءة إجراءات الأمن مقللاً من شأن السخط الشعبي”.