مفهوم مصر في القرآن الكريم

د. فاضل حسن شريف

قال الله تعالى “فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ” (يوسف 99) في الموسوعة الالكترونية لمدرسة اهل البيت: بعد أن حان فترة المجاعة الذي أخبر به يوسف في تعبيره لرؤيا الملك، ضاق العيش على الناس في بعض البلاد ومنها كنعان، فذهب إخوة يوسف إلى مصر لشراء الطعام، فعندما رأى يوسف إخوته عرفهم لكنهم لم يعرفوه، فأحسن إليهم يوسف وعاملهم معاملة حسنة، كما أرسل قميصه لأبيه فـ “أَلْقَاهُ عَلَىٰ وَجْهِهِ فَارْ‌تَدَّ بَصِيراً”. ثم توجه يعقوب مع أهله إلى مصر. ذكرت مصر فى القرآن الكريم خمس مرات: “اهبطوا مصراً فإنَّ لكم مَّا سألتم” (البقرة 61). “وأوحينا إلى موسى وأخيه أن تبوَّءا لقومكما بمصر بيوتاً” (يونس 87). “وقال الذي اشتراهُ من مصر” (يوسف 21). “ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين” (يوسف 99). “ادخلوا مصرَ إن شاء الله آمنين” (الزخرف 51).

مصر تعني مدينة من الأمصار جاء في تفسير الجلالين لجلال الدين السيوطي: قوله تعالى “وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَىٰ لَن نَّصْبِرَ عَلَىٰ طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنبِتُ الْأَرْضُ مِن بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا ۖ قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَىٰ بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ ۚ اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُم مَّا سَأَلْتُمْ ۗ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ ۗ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ۗ ذَٰلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُوا يَعْتَدُونَ” (البقرة 61) “وإذا قلتم يا موسى لن نصبر على طعام” أي نوع منه “واحد” وهو المن والسلوى، “فادع لنا ربَّك يُخرج لنا” شيئاً “مما تنبت الأرض من” للبيان “بقلها وقثائها وفومها” حنطتها “وعدسها وبصلها قال” لهم موسى “أتستبدلون الذي هو أدنى” أخس “بالذي هو خير” أشرف أي أتأخذونه بدله، والهمزة للإنكار فأبوا أن يرجعوا فدعا الله تعالى فقال تعالى “اهبطوا” انزلوا “مصراً” من الأمصار “فإن لكم” فيه “ما سألتم” من النبات “وضُربت” جعلت “عليهم الذلة” الذل والهوان “والمسكنة” أي أثر الفقر من السكون والخزي فهي لازمة لهم، وإن كانوا أغنياء لزوم الدرهم المضروب لسكته، “وباءُوا” رجعوا “بغضب من الله ذلك” أي الضرب والغضب، “بأنهم” أي بسبب أنهم “كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين” كزكريا ويحيى “بغير الحق” أي ظلماً، “ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون” يتجاوزون الحد في المعاصي وكرره للتأكيد.

عن تفسير مجمع البيان للشيخ الطبرسي: قوله تعالى “وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَىٰ لَن نَّصْبِرَ عَلَىٰ طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنبِتُ الْأَرْضُ مِن بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا ۖ قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَىٰ بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ ۚ اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُم مَّا سَأَلْتُمْ ۗ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ ۗ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ۗ ذَٰلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُوا يَعْتَدُونَ” (البقرة 61) قوله تعالى “قال أتستبدلون الذي هو أدنى” (البقرة 61) أي: هو أقرب منزلة وأدون مقدارا، والدنو والقرب يعبر بهما عن قلة المقدار، فيقال: هو أدنى المحل وقريب المنزلة، كما يعبر بالبعد عن عكس ذلك، فيقال: بعيد المحل وبعيد الهمة، يريدون الرفعة والعلو.

عن الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل للشيخ ناصر مكارم الشيرازي: قوله تعالى “وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَىٰ لَن نَّصْبِرَ عَلَىٰ طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنبِتُ الْأَرْضُ مِن بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا ۖ قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَىٰ بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ ۚ اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُم مَّا سَأَلْتُمْ ۗ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ ۗ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ۗ ذَٰلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُوا يَعْتَدُونَ” (البقرة 61): قوله سبحانه: “اهْبِطُوا مِصْراً فَإِنَّ لَكُمْ ما سَأَلْتُمْ‌” (البقرة 61)، أي إنكم الآن تعيشون في هذه الصحراء ضمن إطار منهج للاختبار و بناء الذات، و ليس هذا مكان الأطعمة المتنوعة، اذهبوا إلى المدن حيث التنوع في المأكولات، و لكن لا يوجد فيها المنهج المذكور. التنوين في كلمة (مصر) دليل على تنكيرها، و على عدم اختصاصها بالأرض المعروفة. تملكون الإيمان و الحرية و الاستقلال، و إن أبيتم إلّا أن تكون لكم أطعمة متنوعة، فارجعوا إلى مصر حيث الذل و الاستعباد، لتأكلوا من فتات موائد الفراعنة. التفسير: المطالبة بالأطعمة المتنوعة بعد أن شرحت الآيات السابقة نعم الله على بني إسرائيل، ذكرت هذه الآية صورة من عنادهم وكفرانهم بهذه النعم الكبرى. تتحدث الآية أولا عن مطالبة بني إسرائيل نبيهم بأطعمة متنوعة بدل اطعام الواحد (المن والسلوى).