صبحي نابو
منذ سقوط الأنظمة الشمولية في العراق وسوريا، يسعى الإيزيديون إلى تثبيت هويتهم والاعتراف الرسمي بديانتهم. وبعد الإبادة الجماعية التي ارتكبت بحقهم عام 2014 على يد ما يسمى بـ“الدولة الإسلامية”، أصبح هذا الاعتراف ضرورة وجودية، خصوصاً لدى الإيزيديين في المهجر الذين يعملون على حماية تراثهم وهويتهم من الاندثار.
ورغم الجهود الكبيرة، لم يتحقق الأعتراف الرسمي حتى الآن. وبرأيي، يعود ذلك إلى وجود أسئلة شائكة حول تعريف الإيزيدية وهويتها ، إذ لا يزال الإيزيديون أنفسهم غير متفقين بشكل كامل على صياغة موحدة لهويتهم: من هم؟ ما هي ديانتهم؟ ما هي لغتهم؟ وما علاقتهم بالقوميات المجاورة؟
هذه الأسئلة ليست ضعفاً في الإيزيدية، بل هي نتيجة طبيعية لمسار تاريخي طويل ومعقّد. فالإيزيدية مجموعة أثنو–دينية تجمع بين الهوية العرقية والديانة في آن واحد، وهي ديانة قديمة جداً تمتد جذورها إلى حضارات ما قبل الإسلام. وبحكم كونها ديانة غير تبشيرية تعتمد على النقل الشفهي، ومع تعرّضها عبر القرون إلى تشويه متعمّد وحرمان من تدوين تراثها بحرية، إضافة إلى عيشها في بيئات سياسية ودينية معادية، تراكمت الأسئلة والتأويلات حولها بشكل طبيعي.
لذلك، من الطبيعي أن تتراكم الأسئلة والتأويلات، وأن تختلف الروايات بين الإيزيديين أنفسهم.
هل تحتاج الدول إلى فهم كامل للدين كي تعترف به؟
في الدول الديمقراطية، الاعتراف بالديانات لا يتطلب فهماً كاملاً لكل تفاصيل العقيدة، هذه ليست وظيفة الدولة.
وظيفة الدولة هي: حماية المواطنين وضمان حرية الدين وأحترام التنوع و منع التمييز، وليس تقييم العقائد أو التدخل في تفاصيلها.
لكن… من حق الآخرين معرفة أساسيات عن الإيزيدية
صحيح أن الأعتراف لا يتطلب شرحاً عقائدياً كاملاً، لكن من الطبيعي أن ترغب الشعوب والديانات الأخرى بمعرفة أساسيات عن الإيزيديين، مثل: من هم الإيزيديون؟
– هل الإيزيدية قومية أم ديانة أم كلاهما؟
– ما معنى طاووس ملك و من هو طاووس الملائكة ؟
خصوصاً أن هناك خلطاً واسعاً بين عزازيل في التراث الإسلامي وطاووس ملك في الإيزيدية، بل إن بعض الإيزيديين أنفسهم يرددون روايات لا وجود لها في النصوص الدينية الإيزيدية، مثل الادعاء بأن الملك الذي رفض السجود أصبح طاووس ملك.
هذه الرواية غير موجودة في النصوص الدينية الإيزيدية المقدسة ، ويجب توضيح ذلك.
الحل هو : صياغة تعريف واضح وموحد للإيزيدية، ولكي نصل إلى الأعتراف الرسمي، نحتاج إلى تعريف رصين ودقيق يقدم الإيزيدية كما هي: مجموعة عرقية–دينية (Ethno‑religious group) ذات هوية خاصة، وليست مجرد طائفة دينية ضمن قومية أخرى.
تعريف مقترح للإيزيدية:
الإيزيدية كلمة مشتقة من “يزدان” بمعنى الله، ومن “إيزيدا” البابلية بمعنى المعبد المقدّس، وفي النصوص الإيزيدية تعني “ئزدي”الخالق.
أولاً :الإيزيدية مجموعة أثنو–دينية قديمة، تجمع بين الهوية العرقية والديانة في إطار واحد.
ثانياً :الإيزيديون شعب ذو جذور تاريخية عميقة في ميزوبوتاميا، يحتفظون بلغتهم وثقافتهم وطقوسهم الخاصة.
ثالثاً :يؤمن الإيزيديون بالخالق الواحد الأحد، وبالملائكة السبعة النورانيين، ويعتبرون طاووس ملك رمزاً إلهياً وتجلياً لقدرة الله وسره، وليس له أي علاقة بالمفاهيم السلبية المنسوبة إليه في ثقافات أخرى.
رابعاً :الإيزيدية ديانة غير تبشيرية، تحافظ على تقاليدها داخل مجتمعها، وتمتد جذورها إلى أقدم الديانات التوحيدية في المنطقة.
و أخيراً :يرى قسم من الإيزيديين أنفسهم جزءاً من القومية الكردية، بينما يحتفظ آخرون بهوية إثنية مستقلة.
بهذا التعريف نستطيع تقديم الإيزيدية للعالم كما هي: هوية دينية وعرقية متكاملة، لا يمكن اختزالها في قومية أخرى ولا في إطار ديني ضيق، وهي خطوتنا الأولى نحو الأعتراف هي توحيد خطابنا وتقديم تعريف واضح يعكس حقيقة الإيزيدية كما هي .
الشيخ صبحي نابو رئيس المجلس الديني الإيزيدي،
والمسؤول عن الهيئة التراثية والدينية الإيزيدية في الاتحاد الدولي للجمعيات الإيزيدية المستقلة، و الهيئة الدينة لمركز شؤون الإيزيديين.
