د. فاضل حسن شريف
جاء في التفسير الوسيط لمحمد سيد طنطاوي: بين سبحانه ما كان من أتباع طالوت بعد اجتيازهم للنهر معه فقال: “فَلَمَّا جاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قالُوا لا طاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجالُوتَ وَجُنُودِهِ” (البقرة 249). أى: فلما جاوز طالوت ومن معه النهر وتخطوه، وشاهدوا كثرة جند جالوت، قال بعض الذين مع طالوت لبعض بقلق ووجل: لا قدرة لنا اليوم على محاربة أعدائنا ومقاومتهم فهم أكثر منا عددا، وأوفر عددا. والضمير هُوَ في قوله: “هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ” (البقرة 249) مؤكد للضمير المستكن في جاوز. والقائلون، هذا القول هم بعض المؤمنين الذين عبروا معه النهر، ولم يقولوا ذلك هروبا أو نكوصا عن القتال، وإنما قالوه كمظهر من مظاهر الوجل الذي يعترى بعض النفوس عند الاستعداد للقتال، لأن الذين عصوا الله وخالفوا طالوت بشربهم من النهر جبنوا عن لقاء العدو ولم يسيروا معه لقتالهم. أما المؤمنون الصادقون الذين اتصلت قلوبهم بالله، والذين أذعنوا أنه لا نصر إلا منه ولا اعتماد إلا عليه، فقد حكى القرآن موقفهم المشرف فقال: “قالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ” (البقرة 249). أي: قال الذين يتيقنون أنهم ملاقو الله يوم القيامة فيحاسبهم على أعمالهم. قالوا مشجعين لإخوانهم الذين تهيبوا قتال أعدائهم: كم من جماعة قليلة بإيمانها وصبرها تغلبت بإذن الله وتيسيره على جماعة كثيرة بسبب كفرها وجبنها وتفككها، والله تعالى بعونه وتأييده مع الصابرين. ذكر بعض المفسرين أن العباد الذين سلطهم الله عليهم بعد إفسادهم الأول هم جالوت وجنوده. أخرج ابن جرير وابن أبى حاتم عن ابن عباس في قوله: “فَإِذا جاءَ وَعْدُ أُولاهُما بَعَثْنا عَلَيْكُمْ عِباداً لَنا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ” (الإسراء 5) قال: بعث الله عليهم في الأولى جالوت، فجاس خلال ديارهم، فسألوا الله تعالى أن يبعث لهم ملكا، فبعث لهم طالوت، فقاتلوا جالوت، وانتصروا عليه، وقتل داود جالوت، ورجع إلى بنى إسرائيل ملكهم. فلما أفسدوا بعث الله عليهم في المرة الآخرة (بختنصر) فخرب المساجد، وتبر ما علوا تتبيرا. هذه بعض الأدلة التي تجعلنا نرجح أن المراد بالعباد الذين سلطهم الله- تعالى على بنى إسرائيل بعد إفسادهم الأول في الأرض، هم جالوت وجنوده. أما العباد الذين سلطهم الله عليهم بعد إفسادهم الثاني، فيرى كثير من المفسرين أنهم (بختنصر) وجنوده. وهذا الرأى ليس ببعيد عن الصواب، لما ذكرنا قبل ذلك من تنكيله بهم، وسوقهم أسارى إلى بابل سنة 588 ق. م. إلا أننا نؤثر على هذا الرأى، أن يكون المسلط عليهم بعد إفسادهم الثاني، هم الرومان بقيادة زعيمهم، تيطس سنة 70 م. لأمور من أهمها: أن الذي يتتبع التاريخ يرى أن رذائل بنى إسرائيل في الفترة التي سبقت تنكيل (تبطس) بهم، أشد وأكبر من الرذائل التي سبقت إذلال (بختنصر) لهم. فهم على سبيل المثال قبيل بطش الرومان بهم، كانوا قد قتلوا من أنبياء الله زكريا ويحيى عليهما السلام، وكانوا قد حاولوا قتل عيسى عليه السلام ولكن الله- تعالى- نجاه من شرورهم.
فَصَلَ بمعنى الفصل. قال الزمخشري: فصل عن موضع كذا: إذا انفصل عنه وجاوزه. وأصله فصل نفسه. ثم كثر: حذف المفعول حتى صار في حكم غير المتعدى كانفصل. وقيل: فصل عن البلد فصولا. ويجوز أن يكون فصله فصلا، وفصل فصولا كوقف وصد ونحوهما. والمعنى انفصل عن بلده. و (النهر) بالفتح والسكون: المجرى الواسع الذي يجرى فيه الماء مأخوذ من نهر الأرض بمعنى شقها. أى: فلما انفصل بهم عن المكان الذي كانوا يقيمون فيه، وتوجهوا معه لقتال جالوت وجنوده، قال لهم”إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ” (البقرة 249) أى مختبركم وممتحنكم بنهر، وكان طالوت قد سار بهم في أرض قفرة فأصابهم عطش شديد. وفي هذا الابتلاء اختبار لعزيمتهم، وامتحان لصبرهم على المتاعب حتى يتميز من يصبر على الحرب ممن لا يصبر، ومن شأن القواد الأقوياء العقلاء أنهم يختبرون جنودهم قبل اقتحام المعارك حتى يكونوا على بينة من أمرهم. ثم بين لهم موضع الاختبار فقال: “فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ” (البقرة 249). يَطْعَمْهُ أى يذقه من طعم الشيء يطعمه إذا ذاقه مأكولا أو مشروبا.”الْغُرْفَة ” بالضم اسم للشيء المغترف وجمعه غراف. وأما الغرفة بالفتح فهي اسم للمرة الواحدة من الغرف وقيل: هما لغتان بمعنى واحد. أى قال لهم طالوت: من شرب من هذا النهر فليس من شيعتي، فعليه أن يتركني ولا يصاحبنى في خوض هذه المعركة لأنه ثبت ضعفه وخوره، ومن لم يذقه أصلا فإنه من شيعتي وحزبى الذي سيكون معى في هذه المعركة الخطيرة. ثم أباح لهم أن يغترفوا من النهر غرفة يخففون بها من عطشهم فقال: “إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ” (البقرة 249) فإنه لا يخرج بذلك عن كونه منى. وفي هذه الجملة الكريمة قدم سبحانه جواب الشرط على الاستثناء من الشرط فقد قال”وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ” (البقرة 249).
والتأليف المعهود للناس أن يقال: (ومن لم يطعمه إلا من اغترف بيده فإنه منى) ولكن الآية الكريمة جاءت بتقديم الجواب على الاستثناء لحكمة بليغة، وهي المسارعة إلى بيان الحكم، وإثبات أن أساس الصلة التي تربطهم بنبيهم أن يمتثلوا أمره وألا يشربوا من النهر، ثم رخص لهم بعد ذلك في الاغتراف باليد غرفة واحدة. وقد أشار صاحب الكشاف إلى هذا المعنى فقال: فإن قلت: مم استثنى قوله”إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ” (البقرة 249)؟ قلت: من قوله: “فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي” (البقرة 249) والجملة الثانية في حكم المتأخرة إلا أنها قدمت للعناية ومعناه: الرخصة في اغتراف الغرفة باليد دون الكروع. ثم ختم سبحانه ما كان من بنى إسرائيل نتيجة لهذا الامتحان فقال: “فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ” (البقرة 249). أى: فشربوا من النهر حتى امتلأت بطونهم مخالفين بذلك أمر قائدهم في وقت تعظم فيه المخالفة لأنه وقت إقدام على الحرب، إلا عددا قليلا منهم فإنهم لم يشربوا إلا كما رخص لهم قائدهم. وعلى هذا التفسير الذي قال به جمهور المفسرين يكون جميع الذين مع طالوت قد شربوا من النهر إلا أن كثيرا منهم قد شربوا حتى امتلأت بطونهم مخالفين أمر قائدهم، وقلة منهم شربت غرفة واحدة وهي التي رخص لهم قائدهم في شربها. وبعض المفسرين يقسم اتباع طالوت ثلاثة أقسام: قسم شرب كثيرا مخالفا أمر طالوت. وقسم شرب غرفة واحدة بيده كما رخص له قائده. وقسم لم يشرب أصلا لا قليلا ولا كثيرا مؤثرا العزيمة على الرخصة وهذا القسم هو الذي اعتمد عليه طالوت اعتمادا كبيرا في تناوله لأعدائه. وممن ذكر هذا التقسيم من المفسرين الإمام القرطبي فقد قال: (قال ابن عباس: شربوا على قدر يقينهم، فشرب الكفار شرب الهيم، وبقي بعض المؤمنين لم يشرب شيئا، وأخذ بعضهم الغرفة، فأما من شرب فلم يرو بل برح به العطش، وأما من ترك الماء فحسنت حاله وكان أجلد ممن أخذ الغرفة).