لطالما كان حلمًا فحققه الله

إلهام نجم الدرواني

الجميع يبحث عن قبلة قلبه في أي مكان، ولكن من شربوا حب المسيرة القرآنية في قلوبهم، وترعرعوا بين تلك الدروس القيمة “دروس من هدي القرآن”، لابد أن تكون القبلة التي أخططفت مشاعرهم وأعماقهم، وأصبحت هي الحلم الذي يراودهم دائمًا وفي كل حين، هي تلك القبلة المقدسة التي تختزن في أريافها وجبالها ذكر انطلاقة المشروع القرآني. كيف لا؟ وهي التي انبثق منها نداء حسين العصر وسبط هذا الزمان، وقرين الذكر والقرآن، السيد حسين بدر الدين الحوثي رضوان الله عليه. فمن يزور صعدة أو مران يجد فيها ريح ونفحات ابن بدر الدين الحوثي رضوان الله عليه.

نعم، إنها رحلة الباحث، وليست رحلة المتنزه. رحلة لم يكن مقصدها المعرفة فحسب، بل مقصدها أن تعرج أرواحنا وتُحلق في ركاب الصالحين، وعلى رأسهم حسين بن بدر الدين.

في تلك الرحلة، حزمت أمتعتني لأتحسس ريح يوسف، الذي أزاح العمى عن شعب باسر، وأنظر إلى حلم إبراهيم، الذي حمل هم أمة بأكملها، وأرى عصى موسى التي هزت عرش المتفرعنين وأغرقتهم. أرى تلك العصى التي شقت الطريق من مران إلى كل بقعةٍ من بقاع هذا العالم، ليهتف اليوم بشعار البراءة من مشرق الأرض حتى مغربها.

لقد يممت قلبي وأنفاسي تلك القبلة المقدسة، التي صدع منها حليف القرآن وقرين الهدى، بمشروع قرآني نهضوي لهذه الأمة. فلم تكن رحلة، بل إنها العروج بحد ذاتها إلى عبق المسيرة، والعودة إلى بداية المشروع القرآني.

لقد رافقتني الدموع في هذه الرحلة حتى النهاية، تلك الدموع التي كانت تقول لي: “والله إنه لا فرق بين من سكتوا عن مقتل الإمام الحسين عليه السلام في طف كربلاء، ومن تجاهلوا مقتل السيد حسين بن بدر الدين في طف مران، وليس فرق بين شمرٍ وجواس، ولا بن مرجانه وبن محسن الأحمر، كلهم سواء، تساوت أعمالهم، وتشابهت أفعالهم، بل إنهم وقاتلي الأنبياء بمنزلة سواء.

لطالما سمعت كثيرًا عن مران وعن جرف سلمان، حتى أصبح حلم طفولتي أن أزور تلك البقعة المباركة. ولطالما سمعت كثيرًا عن الحُروب الست التي شنتها الحكومة العميلة آنذاك، لكن حين تسمع ليس كما ترى، وعندما تشاهد ليس كما يحكى لك.

لقد غيرت تلك الرحلة الكثير فيني، بل عرفت ماذا تعني المسيرة القرآنية، وماذا يعني المشروع القرآني، الذي لطالما تعلمنا ودرسنا ركائزه في المراكز الصيفية منذُ الصغر، لكن يبقى الواقع أعمق بكثير من آلافِ الدروس.

ما كنت أتوقع أبدًا أن المشروع القرآني، الذي غير معادلة الأمريكان في اليمن، وحطم كل المراهنات الخارجية في هذا البلد، ونقله من حالة الإمّعة، إلى حالة الموقف، أن يكون منبعه قرى صغيرة نائية، تقبع في شمال اليمن، أُناسها بسطاء، تمتزج الروحانية والسكينة في قراهم ومبانيهم البسيطة، ويُلمس من خطابهم وكلامهم كلام الزهادِ والعلماء، وترى الحشمة والوقار تُلازم فتياتهم ونسائهم بشكل لم يسبق له نظير في أي بقعة أخرى. أن يصدع هذا المشروع من جبالها الشاهقة، وقراهم البسيطة، فكانت إرادة الله تعالى أن ينبثق نور المسيرة القرآنية، من تلك البقعة المباركة، على لسان سليل النبوة، ووارث الكتاب الشهيد القائد حسين بن بدر الدين الحوثي، من ترعرع بين العلم والعلماء منذ المهد، ليكون هو النور الذي كشف للكثير الواقع المظلم والمريب الذي خيم وحل على البشرية جمعاء.

تلك الأرض التي احتضنت المشروع القرآني في مهده، كانت جديرة ونعم الجديرة بهذا الشرف، وكانت ضريبة هذا الشرف أن تُشن عليها حرب إبادة، بجرم وجريرة تمسكها بالقرآن، والمضي بمنهجية القرآن الكريم.

عندما شاهدت حجم الطغيان الذي صبوه على مران وبالأخص جرف سلمان وكمية الدمار الموجود فيه، والذي مازال شاخصًا إلى السماء يشكوى إلى الله جور الجائرين، وبغي الباغين، حينها لم أستطع أن أتمالك نفسي من البكاء، ولم أستطع أن أحبس الدموع التي كانت تقول بلسان حالها: “يالتني كنت الفداء لابن بدر الدين”.

كيف لا، وهو نجم الهدى، في زمن لم يبقى من الإسلام إلا اسمه ومن القرآن إلا رسمه؟ كيف لا وهو الذي ترك الدنيا خلفه ولم يكن نسخة من واقع الصمت المهين، وحمل هم إنقاذ هذه الأمة وانتشالها من واقعها المظلم، فأحيا بدمه الطاهر أمة بأكملها، وحصن بتضحيته شعبًا بأسره.

والله إن قلت عنه معجزة عصره فإنه قليل بحق شخص غير وجه المعمورة، وإن قلت أنه أعظم نعمة منّ الله بها علينا في هذا العصر، فهي حقيقة لا ريب فيها، فما نحن اليوم به من عزةٍ وكرامة وقوة، إلا ثمرةً من ثمار تضحياته.

بعد تلك الزيارة، والله أني أدركت مصداقية قول الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَٰقِبَةُ ٱلۡأُمُورِ﴾، وقوله ﴿وَإِلَيۡهِ يُرۡجَعُ ٱلۡأَمۡرُ كُلُّهُ﴾، وقوله ﴿وَإِلَى ٱللَّهِ تُرۡجَعُ ٱلۡأُمُورُ﴾. فالله هو المتكفل بنصر جنده وأوليائه، بل ويقلب موازين الأمور كيفما كانت وكيفما كان حجم الطغاة، ويجعل الغلبة لصالح المؤمنين، ويمكنهم بأرض، ويجعل كلمته هي العليا، وكلمة الذين كفروا هي السفلى، وما نرى اليوم في واقعنا من نصر وقوة وعزة يمانية، إلا دليلًا على عظمة المشروع القرآني التي تحرك به الشهيد القائد رضوان الله عليه.

#اتحاد_كاتبات_اليمن