رياض سعد
تتجاوز العلاقة بين إيران وجارتها العراق مجرد التحالفات السياسية لتصبح قضية وجودية للمكوّن الشيعي العراقي… ؛ فالتحالف مع إيران ليس مجرد خيار استراتيجي، بل بات يُنظر إليه في أوساط القوى الشيعية العراقية “كدعم مذهبي واستراتيجي بحجم إيران” لا يمكن تعويضه بسهولة… ؛ لكن ما الذي ستعنيه لحظة سقوط هذا النظام للشيعة العراقيين؟
وما هي السيناريوهات المتوقعة والاستراتيجيات الممكنة لمواجهة هذا التحوّل الدراماتيكي ان حدث ؟
*الدعم الإيراني: جسر النجاة في بحر الأزمات
لعبت إيران دوراً محورياً في دعم العراق، خاصة بعد عام 2003… ؛ و استثمرت طهران بذكاء في بناء نفوذ متعدد الأبعاد عبر دعم الأحزاب الشيعية التقليدية، وبلغ هذا النفوذ ذروته في عهد رئيس الوزراء نوري المالكي، حيث امتلكت طهران “حق الفيتو الفعلي على التشكيلة الحكومية”… ؛ ومع صعود تنظيم “داعش” عام 2014، تحوّل هذا النفوذ إلى دعم عسكري حيوي.
*كان الدعم الإيراني متعدد الجوانب:
• الدعم العسكري: ساعد الحرس الثوري الإيراني، بقيادة الجنرال قاسم سليماني، في تحويل “قوات الحشد الشعبي إلى حليف وثيق وموثوق”, وفتح مخازن الأسلحة أمام الحكومة العراقية لمواجهة الخطر الداعشي.
• الدعم الاقتصادي والطاقي: يعتمد العراق بشكل كبير على الغاز الإيراني لتشغيل محطاته الكهربائية، حيث تزوده إيران بـحوالي 50 مليون متر مكعب يومياً تغطي ثلث احتياجاته… ؛ وقد وُقّعت اتفاقيات لتمديد هذا التوريد لخمس سنوات أخرى.
• الدعم السياسي: وقفت إيران إلى جانب “العملية السياسية” التي يقودها الشيعة في العراق، في مواجهة ما يُصوَّر على أنه أنظمة إقليمية مجاورة اتخذت موقفاً سلبياً منها.
*المخاطر الوجودية: شيعة العراق على كف عفريت
في حال سقوط النظام الإيراني، ستواجه القوى الشيعية العراقية عدة مخاطر جوهرية تهدد وجودها السياسي والمذهبي:
1. انهيار التوازن الداخلي: يشكل النظام الإيراني حائط صد يمنع القوى السنية والكردية من المطالبة بإعادة توزيع السلطة… ؛ ويُخشى أن يؤدي سقوطه إلى إجبار “الإطار الشيعي على تقديم تنازلات جذرية للسنة والأكراد داخل العملية السياسية”… ؛ فبدون الدعم الإيراني، ستفقد القوى الشيعية أهم ورقة ضغط في التفاوض، مما قد يعيد العراق إلى مربع الصراع الطائفي على السلطة.
2. انحسار المذهب الشيعي إقليمياً: يمثل سقوط النظام في طهران ضربة قوية للمشروع الشيعي الإقليمي الذي قادته إيران لعقود… ؛ ويتركز القلق الشيعي العراقي على “انحسار المذهب الشيعي في المنطقة إذا خسر الإطار الشيعي حليفا استراتيجيا ومذهبيا بحجم إيران”… ؛ هذا الانحسار قد يفتح الباب أمام تصاعد الخطاب السلفي والتكفيري المعادي للشيعة، ليس في العراق فحسب، بل في عمق المنطقة كلها .
3. فراغ أمني واستهداف للميليشيات وفصائل المقاومة والحشد الشعبي : مع فقدان الدعم اللوجستي والمالي والعسكري المباشر من طهران، ستصبح فصائل الحشد الشعبي والكتائب الموالية لإيران أكثر عرضة للاستهداف… ؛ وقد يتحول هذا الفراغ إلى حرب أهلية مفتوحة بين هذه الفصائل من جهة، وجماعات مسلحة سنية متطرفة أو حتى قوات حكومية تسعى لإعادة فرض سيطرة الدولة على السلاح من جهة اخرى .
4. تغير المواقف من الوجود الأمريكي : يبرز هنا تناقض حاد… ؛ فبينما كان الخطاب الشيعي الرسمي يركز على “إخراج القوات الأمريكية من العراق” ؛ بدأت تتشكل قناعة لدى بعض الأوساط الشيعية بأن “القوات الأمريكية يمكن أن تكون مصدر أمان للنظام السياسي في العراق” في حال غياب الدعم الإيراني… ؛ و هذا التحول قد يخلق انقساماً عميقاً داخل البيت الشيعي نفسه بين تيار يرى في أمريكا ضمانة، وآخر يرفض أي تعاون معها... .
*السيناريوهات المحتملة واستراتيجيات المواجهة
في مواجهة هذا المشهد المعقد، تبرز عدة سيناريوهات واستراتيجيات محتملة للقوى الشيعية العراقية:
• التحالف مع القوى الدولية (الولايات المتحدة): أصبح خيار التقارب مع واشنطن مطروحاً بقوة… ؛ فبعض القوى الشيعية ترى الآن أن “الوجود العسكري الأمريكي… ؛ يمكن أن يُنجي الفصائل المسلحة من أية هجمات إسرائيلية غير متوقعة”… ؛ و هذا تحول دراماتيكي من خطاب المقاومة إلى منطق البراغماتية والبحث عن حامٍ بديل.
• إعادة تشكيل التحالفات الداخلية: قد تضطر القوى الشيعية إلى عقد صفقات تاريخية مع الكتل السنية والكردية، تقوم على أساس تقاسم السلطة والثروة ولو على حساب مصالح وحقوق ابناء الاغلبية العراقية ، كوسيلة لضمان استمراريتها في الحكم ومنع انزلاق البلاد إلى الفوضى.
• تعزيز الاستقلال الوطني: يشكل هذا الخيار التحدي الأكبر، حيث يتطلب بناء قدرات عسكرية واقتصادية عراقية حقيقية غير معتمدة على الخارج. ويتضمن تنويع مصادر الطاقة للخروج من التبعية للغاز الإيراني , وإعادة هيكلة مؤسسات الدولة لاستعادة الاحتكار الشرعي للقوة.
*خاتمة: بين المطرقة والسندان
مستقبل الشيعة في العراق على المحك… ؛ فهم أمام خيارين صعبين: إما التمسك بتحالف تقليدي مهدد بالسقوط، أو الانخراط في تحالفات جديدة مع قوى كانت حتى الأمس عدوة… ؛ و القرار سيكون نتاج معادلة معقدة تجمع بين حسابات المذهب والهوية، وبين منطق المصالح والبقاء.
الخيار الأكثر واقعية قد لا يكون أحادياً، بل مزيجاً من الاستراتيجيات: العمل على بناء تحالفات داخلية متينة تقوم على المواطنة، والسعي لعلاقة متوازنة مع القوى الدولية، وفي الوقت نفسه، السعي لتحقيق حد أدنى من الاستقلال الاقتصادي والأمني … ؛ ففي النهاية، مصير الشيعة العراقيين، ومصير العراق كله، لا يجب أن يرتهن بمصير نظام في جارته، بل بقدرتهم على بناء دولة وطنية جامعة وقوية.