الأخبار الواردة من الساحة السورية مادة يومية للتضخيم والتهويل..!

حسن درباش العامري

سم الله الرحمن الرحيم
﴿الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانًا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل * فانقلبوا بنعمةٍ من الله وفضلٍ لم يمسسهم سوء واتبعوا رضوان الله والله ذو فضلٍ عظيم﴾

في خضمّ الفوضى الإقليمية المتصاعدة، أصبحت الأخبار الواردة من الساحة السورية مادة يومية للتضخيم والتهويل، تُقدَّم غالبًا بلا تدقيق ولا قراءة سياقية، وكأنّ المنطقة تقف على شفير انهيار شامل لا محالة. وما بين مشاهد مؤسفة يتعرض لها المدنيون، ولا سيما أبناء الشعب الكردي، وبين روايات متضاربة عن صراعٍ محتدم بين قوات سوريا الديمقراطية (قسد) وجماعات مسلّحة أخرى، تتكدّس المخاوف في الوعي الجمعي العراقي بصورة متسارعة.

لا يمكن إنكار حجم المأساة الإنسانية التي عاشتها بعض المناطق السورية، ولا التغاضي عن أي انتهاك لحقوق الإنسان أياً كان مرتكبه، فدم الأبرياء لا جنسية له، والألم لا طائفة له. غير أن الإشكالية الكبرى تكمن في تحويل تلك الوقائع إلى منصات لإنتاج الخوف السياسي، عبر خطابٍ إعلامي يُضخّم السيناريوهات السوداوية ويستثمرها لترويع الداخل العراقي، وكأنّ العراق بات عاجزًا عن حماية حدوده أو تحصين مجتمعه.

خلال الأسابيع الماضية، تكررت نغمة التحذير من “زحف إرهابي وشيك” نحو العراق، ومن محاولات لإعادة إنتاج صفحة داعش، تزامنًا مع أخبار الانسحاب الأمريكي من بعض المواقع، ومنها قاعدة عين الأسد، ومع تصاعد الحديث عن مواجهة إقليمية محتملة مع إيران. هذه المعطيات تُقدَّم للرأي العام كأنها أجزاء من لغزٍ واحد يقود حتمًا إلى الانفجار، بينما الحقيقة أكثر تعقيدًا وأقل تهويلًا.

فالعراق اليوم ليس عراق 2014. بنية الدولة الأمنية تغيّرت، وتجربة المجتمع مع الإرهاب صنعت وعيًا جمعيًا يصعب اختراقه بسهولة. كما أن المشهد الإقليمي نفسه تحكمه توازنات دقيقة، تجعل من سيناريو “الانفلات الشامل” خيارًا مكلفًا لجميع الأطراف، وليس مصلحة لأحد. أما الانسحابات العسكرية أو إعادة الانتشار، فهي في كثير من الأحيان قرارات تكتيكية لا تُقرأ بمعزل عن حسابات السياسة الدولية، ولا تعني بالضرورة فراغًا أمنيًا أو انهيارًا وشيكًا.

الخطورة الحقيقية لا تكمن في ما يجري خارج الحدود بقدر ما تكمن في الداخل: في هشاشة الخطاب الإعلامي، وفي قابلية بعض القوى السياسية لتوظيف الخوف، وفي غياب خطاب وطني هادئ يضع الوقائع في إطارها الصحيح. فحين يُستبدل التحليل الرصين بالتهويل، تُصاب المجتمعات بالشلل، وتُفتح الأبواب أمام الفوضى النفسية قبل الفوضى الأمنية.

إن مسؤولية المرحلة تفرض على النخب السياسية والإعلامية، وعلى صناع القرار، أن يميّزوا بين التحذير المشروع وبين صناعة الذعر، وبين قراءة الواقع وبين المتاجرة به. فالأوطان لا تُحمى بالصراخ، ولا تُدار بالشائعات، بل بالثقة، والوعي، واستحضار الدروس القاسية التي دفعت الشعوب ثمنها ذات يوم.

وفي زمن تتكاثر فيه الأزمات، يبقى الرهان الحقيقي على وعي الناس، وعلى إيمانهم بأن الخوف لا يصنع مستقبلًا، وأن الاتكاء على الله، مقرونًا بالعقل والمسؤولية، هو الطريق الأضمن لعبور العواصف.
حسبنا الله ونعم الوكيل.