انتحار العقل ..قبل تشكيل الحكومات !

حسين الذكر

في واحدة من مشاكل العصر التي لا ادري ان كانت عامة ام في العراق خاصة : فالمسؤول يقرا ويتابع ويعلق … لكنه ما ان يتسنم موقع المسؤولية للخدمة العامة يبتعد تماما عن القراءة .. فلم يعد يطالع خاصا ولا عاما حتى ما يعزز ثقافته التي يبقى الانسان بحاجة فيها الى المدد الثقافي مهما عتى به العمر و حصل من العلم فلا غنى عن القراءة للروح والفكر كما لا غنى للجسد عن الاكل واشياء اخرى ..

تلك مشكلة عامة .. دونتها خلال عقدين خلت فعدد من اصدقائنا كانوا يعيشون الواقع ويتمنون اصلاحه .. اختفوا عن  الواقع كله حينما بلغوا مناصب معينة .. صحيح ان المسؤولية تضيق الوقت وتخنق الفراغ فضلا عن تغيير نوع العلاقات .. ففيما كان الصديق ينتظرك انت وغيرك للاتصال والحديث .. اصبح في مكان لا يفرح ولا يهتم باتصالك .. ان ابقى على تلفونك .. فاغلبهم يغير الخطوط ويصبح جزء من الماضي .. فهو ينتظر اتصالات من اصحاب الشأن والمعالي والسعادة .. اكثر مما ينظره من صديق ما زال بائس ويعتقد حد اليقين بامكانية الاصلاح !

هنا تحدث مشكلة فكرية كبرى اكثر من كونها اجتماعية او اخلاقية او سياسية او ادارية .. فيا ترى من يقف وراء تغيير القناعات لدى المسؤولين .. هل هو الغرور ام الانشغال الفعلي ام حجم القضايا وتغير نوع العلاقات ام اجندة خارجية قاهرة لا تسمح باي تغيير ايجابي .. ام العجب من الموقع الجديد ورؤيته الحقيقية التي تضفي طابع العجز واليأس مما يحوله الى مجرد مسؤول في طابور من سبقوه و حالوب جديد لضرع بقرة اسمن لم يعتدها من قبل ..

يقول نيتشه : ( لا بد شيء من الجنون فالحياة التقليدية مملة جدا) .. وما هو الجنون المطلوب هنا ؟ هل هو الكفر بقواعد الواقع التي تربينا عليها باعتبارها متبنيات اخلاقية شعبية ومجتمعية لا تمت اطلاقا بصلة لمواقع المسؤولية .. فهناك التزامات ومطالب شعبية لا بديل عن تلبيتها من اجل رضا المحكومين والضمير فضلا عن رب العالمين .. فيما ينسى الناس ان الحاكم مهما ادعى فهو ليس مستقل تماما كما يعتقدون .. فآليات الحكم ليس كآليات فتح ( دكان ) بقالة او مطعم فلافل .. القضية تختلف تماما بصورة تجعل الشعارات لا تتسق مع الخطوات اطلاقا لا من قبل ولا من بعد .

القضية برمتها تحتاج الى غربلة التاريخ والتعلم منه بصورة افضل كي لا تاخذنا الاحلام الطوباوية الى احلام واماني خيالية حصرا ليس لها نصيب من التطبيق .. وان لا نؤمل انفسنا ما يجعلنا نصاب بالخيبة والاحباط عند اول اختبار جدي فالسياسة هي السياسة منذ غدت مصالح الحكام لا تتسق مع مصالح المحكومين .. بصورة جعلت المشهد قاتم حد اللا معقول او بالاحرى جدوى انتحار العقل يكون وسيلة للتخلص من ضغط الحقائق سيما الاخلاقية منها ..

يقول د علي الوردي – رحمه الله – ان العقل لا يتسق ولا يعمل مع السوق فمنطق الربح والخسارة وآلياته في التجارة تختلف تماما عن منطق الضمير والحلال والحرام والصح والخطا .. اذ تصبح شكل ومعنى آخر عما تعارف عليه في البيت و المسجد والمدرسة ..

ذلك ما ينبغي تربية الاجيال عليه بصراحة .. واخذ عبرة من التاريخ الحديث والمعاصر باقل تقدير .. فكل الشعارات التي رفعتها الحركات المسؤولة بمختلف تسمياتها وعناوينها واشكالها خلال مائة سنة خلت .. كانت شعاراتها وطنية محبة للخير تسعى للعدل وتتخذ من مطالب الفقراء أنموذجا .. ولكن عند استلام الحكم والتطبيق .. يبدا الانحراف حتى غير المعقول منه .. مما توجب تعليم وتدريب الشعوب على منطق آخر للتعاطي مع اللامعقول تخفيفا للصدمات وطعنا باللامبالات وحرصا على ما تبقى من قيم الاحترامات !