رياض سعد
كلّما حاول أن ينام مبكّرًا، خانه النوم.
حتى لو أفرغ جسده من التعب، ورفع الأثقال كأنّه يزيح عن صدره جبال الأيام، ظلّ الأرق يقيم في عينيه كضيفٍ ثقيل.
وحين لجأ إلى الحبوب المنوِّمة، كان يعرف الحقيقة:
إنها لا تمنحه النوم… بل تفرضه عليه قسرًا.
ينام، نعم.
لكنّه ينهض كلّ يوم عند الخامسة فجراً، رغم ابتلاع الدواء في ساعات الليل المتأخرة، وكأنّه غريقٌ في بحرٍ بلا شاطئ، يبحث عن نَفَسٍ بأي ثمن.
يتقدّم نحو نافذة غرفته المطلة على الشارع العام.
المنظر ذاته يتكرّر، كأن الزمن عالق في حلقةٍ صدئة:
تلك الفتاة العشرينية الجميلة، تنزل من سيارة الأجرة، تعدّل حقيبتها على كتفها، ثم تصعد سلالم الدرج المؤدي إلى شقتها في الطابق الثالث من العمارة المقابلة لدار إحسان.
وما إن تطأ قدماها أرض الشقة، حتى تتجه إلى الشرفة،
تطلّ عليه بتمعّنٍ صامت.
هو يراها ضحية مجتمعٍ قاسٍ،
وهي تراه منقذًا محتملًا.
بين نظرتيهما،
يمرّ الهواء محمّلًا بأسئلة لا تُقال،
وتتدلّى الأحلام من حبال الغسيل كقلوبٍ مبتلّة.
إحسان لا يعرف اسمها،
وهي لا تعرف قصته.
لكن كليهما يتقاسمان الفجوة ذاتها:
وحدةٌ واسعة،
وأملٌ صغير يتخفّى في هيئة إنسان.
هو يبتلع الأرق،
وهي تبتلع الخوف.
وكل صباح، حين تتلاقى النافذتان،
يحدث شيء يشبه المعجزة الصامتة:
غريقان يتبادلان الأكسجين عبر المسافة.
وهكذا يبقيان: ظلان على حافتي النافذتين ، لا يجرؤ احدهما على عبور الشارع الفاصل، مؤمنين ان الخلاص الحقيقي قد يكمن في استمرار المشاهدة، في هذا الحلم المشترك الذي لا يحتاج الى لمس ليكون حقيقيا...