وليمة الأجنحة المكسورة

رياض سعد

كانا صديقين، أو بالأحرى صاحبين أو شظيتين من عالَمين متنافرين التحمتا في رحم المدينة الجامع… ؛  كان عبَّاس سليل روحٍ مائية، ابن الأهوار التي تنام على وسائد من القصب وتتنفس ضباب الفجر… ؛ و جينات أسلافه، صيادي الأسماك والطيور، كانت لا تزال تُناغي في عروقه أناشيد الماء والخُضرة البكر… ؛  بينما كان علي وريث التراب المُسيَّج، ابن المَشيخة العشائرية العريقة التي تنتعش بجذورها في أعماق الأرض، كشجرة باسقة امتلكت أوراقها أسماء القرى والسهول… ؛  نعم، وُلدا تحت نفس سماء العاصمة، لكن العاصمة كانت مجرد رداء رفَّافته الرياح فوق جلود حَملت نقوشًا مختلفة… ؛  فعبَّاس، رغم أسفلته الإسمنتية، كان يحلم بأصوات الطيور والمشحايف ، وعلي، رغم ثرائه، كان يستمع لِهمس الجذور في مضيف جده … ؛  كانت المشتركات بينهما كخيط عنكبوت شفاف: متينة في هيئتها، قابلة للتمزق بنَسَمَة...!!

نعم، على الرغم من ولادة الاثنين في العاصمة، فإن الجينات الوراثية والإرث الحضاري العريق كانا يسريان في دمائهما… ؛  فالعاصمة غيّرت من سلوكهما،  اذ لا وجه شبه بينهما وبين أقرانهما في المحافظات الجنوبية، إلا أن ذلك لا يعني انقطاع المشتركات والأواصر التي تربطهما بتربة الأجداد.

عباس جاء من رئة الماء، من قصبٍ كان يصغي للريح، ومن طيورٍ تعلّمت الهجرة قبل أن تتعلّم الخوف.

وعلي جاء من خاصرة الأرض، من سلالاتٍ كانت تزن المواسم بالقمح، وتحسب الوقت بخوار العجول، وتقرأ المستقبل في خطوط الحقول.

وُلدا في العاصمة، نعم، لكن المدينة لم تستطع أن تمحو الطين من أقدامهما، ولا أن تقتلع الأهوار من ذاكرة عباس، ولا أن تُسكت خرير السواقي في صدر علي.

كانا يمشيان في شوارع الإسفلت كغريبين يرتديان وجهيْن حضريين، بينما في الداخل كانت تسكنهما قرون كاملة من المراكب والطواحين والمواشي والنخيل.

عباس كان يحمل جوعًا قديمًا، جوعًا لا يُشبع بالمطاعم ولا بالمقاهي الزجاجية.

كان يشتاق إلى لحم الطيور الحرة كما يشتاق المنفي إلى رائحة بيته الأول.

أما علي، فكان يؤمن أن اللحم ينبغي أن يكون ثقيلًا، أرضيًا، له صوف وذاكرة مراعي خضراء …

في أحد الأيام، استيقظت ذاكرة الماء في عبَّاس… ؛  هاجسته رغبةٌ قديمة، كطائر مهاجر يحدوه الحنين إلى موطنه الأول… , وكعادة عباس في ولعه بأكل لحوم الطيور الحرة، وهي غالية الثمن جدًا ؛  فانتزع هاتفه، وأرسل نداءً عبر الأثير إلى قريب له في ميسان، حيث تسبح الطيور الحُرَّة في فضاءات لا تعرف الأسوار… ؛  “اشترِ لي جناحًا من حريتي الضائعة، اشترِ ستين طيرًا، وأرسلها إليَّ.”

أراد أن يطعم صديقه، ليس طعامًا، بل شغافًا من عالمه المفقود… ؛  لكن عليًا كان ابناً للتراب، وذوقه تشكّل على موائد الخرفان الصغيرة، التي تُذبح في ساحات المضايف والدواوين ، كطقوس رزينة للتملُّك والعطاء...

اتصل عبَّاس بعلي الذي لا يهوى أكل لحوم الطيور بتاتًا، إذ يفضّل لحوم الخراف الصغيرة ، وكان صوته يحمل توسُّل الناي: “تعال، شاركني وليمة أجنحة… ؛ تذوق حرية لم تَذُقها.” فتردد علي، كشجرة ترفض هجرة الطيور... ؛ فالطيور لا تشبعه، ولا تملأ فراغ معدته الأرستقراطية، لكنه وافق احترامًا للصداقة …

وقبل الموعد بيوم، تسللت إلى علي رسالةٌ من عبَّاس يخبره فيها بأن وليمة الغد ستكون من لحم طائر “الحذّاف”، وهو أقل جودة من بقية الطيور الحرة غالية الثمن والتي اشتراها من محافظة ميسان .

لم تكن الكلمات إشادة ولا تحذيرًا، بل اعترافًا بالحقيقة العارية... ؛ وهنا، في صمت المضيف ، انكسر الخيط العنكبوتي… ؛ و قرأ علي بين السطور إهانةً لم تُكتَب… ؛ اذ رأى في “الحُذاف” رمزًا للبديل الرخيص، للقيمة المُستَهانة… ؛  

كانت الكلمات قصيرة، لكنها وقعت على قلب علي كحجر في كأس ماء.

قرأ الرسالة مرات...

ثم بدأ داخله يتحدث بلغة الميراث:

لماذا الأدنى لي، والأعلى له؟

هل الصداقة تُطعم الفتات؟

وهل الكرم يُقاس بما يبقى في يد المعطي؟

“يحتفظ بالغالي لنفسه، ويُطعمني فتات موائده!” هكذا حكم .

. فأرسل اعتذارًا باردًا مهذبا ، نسيجُه من حججٍ شفافة كالزجاج، تُخفي وراءها صخرةَ كبرياء… ؛  تخيل أن الدعوة حجابٌ لُطِّخ بازدراء، لا جسرٌ من لحمٍ وريش... ؛ فالحقيقة كانت أكثر مرارة: لقد شعر بالإهانة.

إذ اعتبر أن هذه الدعوة إهانة لا تكريمًا؛ فقد استبدل عباس الأغلى والأطيب بالأدنى، وهذا يدل — في نظره — على أن عباس يحتفظ لنفسه بالطيور الحرة غالية الثمن، بينما يطعم أصحابه ما هو أدنى وأرخص...

في تلك الليلة، جلس عباس وحيدًا أمام الطيور المشوية…

لم يفهم لماذا انكسر الجسر فجأة...

كان يظن أن المشاركة وحدها كافية…

لم يكن يدري أن بعض القلوب لا تبحث عن الطعام ؛ بل عن الاعتراف والتقدير والاحترام .

وأن بعض النفوس لا تقبل أن تُطعَم مما لا يُحب صاحبه أن يخسره...

هناك، في مكانٍ ما بين القدر والصحن، تذكر علي في بيته  الآية القرآنية : ((  لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون   ))

فالبر ليس وليمة...

البر امتحان خفيّ للنوايا...

وفي المدن الكبيرة، لا تموت الصداقات بسبب الجوع … ؛ بل بسبب سوء الترجمة بين ذاكرة الماء وذاكرة الأرض...

ولعل الآية الكريمة كانت ناظرة إلى مثل هذه النفسيات؛ فبعض النفوس أنانية تشحّ بالخير، وبعضها يؤثر الآخرين على نفسه وينفق مما يحب.

نعم، إن كتاب القرآن الكريم كان يعلم أن بعض النفوس الأبية لا تقبل بفتات الموائد، ولا بما رخص من الطعام.