د. فاضل حسن شريف
جاء في تفسير مجمع البيان للشيخ الطبرسي: قوله تعالى “إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ۚ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ ۚ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ ۚ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً ۚ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ” ﴿التوبة 36﴾ لما ذكر الله سبحانه وعيد الظالم لنفسه بكنز المال، من غير اخراج الزكاة وغيرها، من حقوق الله منه، اقتضى ذلك أن يذكر النهي عن مثل حاله، وهو الظلم في الأشهر الحرم الذي يؤدي إلى مثل حاله، أو شر منه في المنقلب، فقال: “إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا” ﴿التوبة 36﴾ أي: عدد شهور السنة في حكم الله وتقديره اثنا عشر شهرا. وإنما تعبد الله المسلمين أن يجعلوا سنيهم على اثني عشر شهرا، ليوافق ذلك عدد الأهلة، ومنازل القمر، دون ما دان به أهل الكتاب. والشهر: مأخوذ من شهرة الأمر لحاجة الناس إليه في معاملاتهم، ومحل ديونهم، وحجهم، وصومهم، وغير ذلك من مصالحهم المتعلقة بالشهور، وقوله: “في كتاب الله” معناه: فيما كتب الله في اللوح المحفوظ، وفي الكتب المنزلة على أنبيائه. وقيل: في القرآن. وقيل: في حكمه وقضائه، عن أبي مسلم. وقوله: “يوم خلق السماوات والأرض” ﴿التوبة 36﴾ متصل بقوله “عند الله” والعامل فيهما الاستقرار. وإنما قال ذلك لأنه يوم خلق السماوات والأرض أجرى فيها الشمس والقمر، وبمسيرهما تكون الشهور والأيام، وبهما تعرف الشهور.
قوله تعالى “منها أربعة حرم” ﴿التوبة 36﴾ أي: من هذه الاثني عشر شهرا، أربعة أشهر حرم، ثلاثة منها سرد: ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، وواحد فرد: وهو رجب. ومعنى حرم: أنه يعظم انتهاك المحارم فيها أكثر مما يعظم في غيرها، وكانت العرب تعظمها حتى لو أن رجلا لقي قاتل أبيه فيها لم يهجه لحرمتها. وإنما جعل الله تعالى بعض هذه الشهور أعظم حرمة من بعض، لما علم من المصلحة في الكف عن الظلم فيها، لعظم منزلتها، ولأنه ربما أدى ذلك إلى ترك الظلم أصلا، لانطفاء النائرة، وانكسار الحمية في تلك المدة، فإن الأشياء تجر إلى أشكالها. وشهور السنة المحرم: سمي بذلك، لتحريم القتال فيه. وصفر: سمي بذلك، لأن مكة تصفر من الناس فيه أي: تخلو. وقيل: لأنه وقع وباء فيه، فاصفرت وجوههم. وقال أبو عبيدة: سمي بذلك لأنه صفرت فيه أوطابهم عن اللبن وشهرا ربيع: سميا بذلك لإنبات الأرض وإمراعها فيهما. وقيل: لارتباع القوم أي: إقامتهم وجماديان: سميتا بذلك لجمود الماء فيهما. ورجب: سمي بذلك لأنهم كانوا يرجبونه أي: يعظمونه يقال رجبته ورجبته بالتخفيف والتشديد، قال الكميت: ولا غيرهم أبغي لنفسي جنة * ولا غيرهم ممن أجل وأرجب وقيل سمي بذلك لترك القتال فيه من قولهم رجل أرجب إذا كان أقطع لا يمكنه العمل. وروي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: إن في الجنة نهرا يقال له رجب، ماؤه أشد بياضا من الثلج، وأحلى من العسل، من صام يوما من رجب، شرب منه. وشعبان: سمي بذلك، لتشعب القبائل فيه عن أبي عمرو. وروى زياد بن ميمون أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: إنما سمي شعبان، لأنه يشعب فيه خير كثير لرمضان. وشهر رمضان: سمي بذلك لأنه يرمض الذنوب. وقيل: سمي بذلك، لشدة الحر. وقيل: إن رمضان من أسماء الله. وشوال: سمي بذلك، لأن القبائل كانت تشول فيه اي: تبرح عن أمكنتها. وقيل لشولان النوق أذنابها فيه. ذو القعدة: سمي بذلك لقعودهم فيه عن القتال. وذو الحجة: لقضاء الحج فيه. “فلا تظلموا فيهن” ﴿التوبة 36﴾ أي في هذه الشهور كلها، عن ابن عباس. وقيل: في هذه الأشهر الحرم الأربعة، عن قتادة، واختاره الفراء قال: لأنه لو أراد الاثني عشر شهرا لقال فيها “أنفسكم” بترك أوامر الله، وارتكاب نواهيه، وإذا عاد الضمير إلى جميع الشهور، فإنه يكون نهيا عن الظلم في جميع العمر، وإذا عاد إلى الأشهر الحرم، ففائدة التخصيص أن الطاعة فيها أعظم ثوابا، والمعصية أعظم عقابا، وذلك حكم الله في جميع الأوقات الشريفة، والبقاع المقدسة.
قوله عز وجل “وقاتلوا المشركين كافة” ﴿التوبة 36﴾ أي: قاتلوهم جميعا مؤتلفين غير مختلفين “كما يقاتلونكم كافة” أي: جميعا كذلك، فتكون كافة حالا عن المسلمين، ويجوز أن تكون حالا من المشركين أي: قاتلوا المشركين جميعا، ولا تمسكوا منهم بعهد ولا ذمة، إلا من كان من أهل الجزية وأعطاها عن صغار، والظاهر هو الأول. وقيل: معناه قاتلوهم خلفا بعد سلف، كما أنه يخلف بعضهم بعضا في قتالكم، عن الأصم “واعلموا أن الله مع المتقين” ﴿التوبة 36﴾ بالنصرة والولاية. وفي هذه الآية دلالة على أن الاعتبار في السنين بالشهور القمرية لا بالشمسية، والأحكام الشرعية معلقة بها، وذلك لما علم الله سبحانه فيه من المصلحة، ولسهولة معرفة ذلك على الخاص والعام. “ذلك الدين القيم” ﴿التوبة 36﴾ أي: ذلك الحساب المستقيم الصحيح، لا ما كانت العرب تفعله من النسئ، ومنه قوله: الكيس من دان نفسه أي: حاسبها. وسمي الحساب دينا: لوجوب الدوام عليه، ولزومه كلزوم الدين والعبادة. وقيل: معناه ذلك القضاء المستقيم الحق، عن الكلبي. وقيل: معناه ذلك الدين تعبد به فهو اللازم.