د. فاضل حسن شريف
جاء في الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل للشيخ ناصر مكارم الشيرازي: قوله تعالى عن يتعارفون “وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَن لَّمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِّنَ النَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ ۚ قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ” ﴿يونس 45﴾ بعد بيان بعض صفات المشركين في الآيات السابقة، أشير هنا إِلى وضعهم المؤلم في القيامة. تقول الآية: “وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنَ النَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ”. الإِحساس بقلة مقدار الإِقامة في دار الدنيا وقصره، إِمّا لأنّه بالنسبة للحياة الاُخروي لايبلغ سوى ساعة واحدة. أولأنّ هذه الدنيا الفانية انقضت بسرعة بحيث كأنّها لم تكن أكثر من ساعة، أو لأنّهم لما لم يستفيدوا من عمرهم الإِستفادة الصحيحة، فيتصورون أنّها لا تساوي أكثر من قيمة ساعة. بناء على ماقلناه في التّفسير أعلاه، فإِنّ جملة “يتعارفون بينهم” إِشارة إِلى مقدار بقائهم في الدنيا، أي إِنّهم يحسون أنّ أعمارهم كانت قصيرة إِلى الحد الذي يكفي لالتقاء شخصين وتعارفهما ثمّ تفرقهما. وقد احتمل أيضاً ـ في تفسير هذه الآية ـ أنّ المقصود هو الإِحساس بقصر الزمان بالنسبة لحياة البرزخ، أي إِنّ هؤلاء يعيشون في فترة البرزخ حالة شبيهة بالنوم بحيث لايشعرون بمرور السنين والقرون والأعصار، ويظنون في القيامة أن مرحلة برزخهم التي استغرفت آلاف أو عشرات الآلاف من السنين، لم تكن إلاّ ساعة. والشاهد على هذا التّفسير الآيتان (55) ـ (56) من سورة الروم، اللتان تقولان: “ويوم تقوم الساعة يقسم المجرمون ما لبثوا غير ساعة كذلك كانوا يؤفكون * وقال الذين أوتوا العلم والإِيمان لقد لبثتم في كتاب الله إِلى يوم البعث فهذا يوم البعث ولكنّكم كنتم لاتعلمون” (الروم 55-56). يستفاد من هاتين الآيتين أنّ مجموعة من المجرمين يُقسمون في القيامة أن فترة برزخهم لم تكن أكثر من ساعة، إلاّ أنّ المؤمنين يقولون لهم: إِنّ المدّة كانت طويلة، والآن قد قامت القيامة وأنتم لاتعلمون. ونحن نعلم أن البرزخ ليس متساوياً بالنسبة للجميع، وسنذكر تفصيل ذلك في ذيل الآيات المناسبة. وبناءً على هذا التّفسير، فإِنّ معنى جملة “يتعارفون بينهم” ﴿يونس 45﴾ سيكون: إِنّ هؤلاء يحسون بأنّ زمان البرزخ كان قصيراً بحيث أنّهم لم ينسوا أي أمر من أُمور الدنيا، ويعرف بعضهم البعض الآخر جيداً. أو أنّ كلاً منهم يرى أعمال الآخرين القبيحة هناك، ويطّلع كل منهم على باطن الآخر، وهذا بحد ذاته فضيحة كبرى بالنسبة لهؤلاء. ثمّ تضيف الآية أنّه سيثبت لكل هؤلاء في ذلك اليوم: “قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ” ﴿يونس 45﴾ وانفقوا كل ملكاتهم وطاقاتهم الحيوية دون جدوى “وماكانوا مهتدين” بسبب هذا التكذيب والإِنكار والإِصرار على الذنب، ولأنّ قلوبهم وأرواحهم كانت مظلمة.
وعن الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل للشيخ ناصر مكارم الشيرازي: قوله تعالى عن أمتنا: “قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَىٰ خُرُوجٍ مِّن سَبِيلٍ” ﴿غافر 11﴾ عندما يشاهد المجرمون أوضاع يوم القيامة وأهوالها، ويرون مشاهد الغضب الإلهي حيالهم، سينتبهون من غفلتهم الطويلة ويفكرون بطريق للخلاص، فيعترفون بذنوبهم ويقولون: “قالوا ربّنا أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين فاعترفنا بذنوبنا فهل إلى خروج من سبيل” ﴿غافر 11﴾. عندما تزول حجب الغرور والغفلة، وينظر الإنسان بالعين الحقيقية، فلا سبيل عندها سوى الإعتراف بالذنوب. إنّ هؤلاء كانوا يصرون على إنكار المعاد، ويستهزئون بوعيد الأنبياء لهم، ولكن بعد توالي الموت والحياة لا يبقى مجال للإنكار، وقد يكون سبب تكرارهم للموت والحياة، أنّهم يريدون القول: يا خالقنا الذي تملك الموت والحياة، أنت قادر على أن تعيدنا إلى الدنيا مرةٌ اُخرى كي نعوّض ما مضى. ذكر المفسرون عدّة تفاسير حول المقصود من قوله تعالى: “أمتنا اثنتين” و “أحييتنا اثنتين” ﴿غافر 11﴾ ومن بين هذه التفاسير هناك ثلاثة آراء نقف عليها فيما يلي: أوّلا: أن يكون المقصود من “أمتنا اثنتين” هو الموت في نهاية العمر، والموت في نهاية البرزخ. أمّا المقصود من (أحييتنا اثنتين) فهي الإحياء في نهاية البرزخ والإحياء في القيامة. ولتوضيح لذلك، نرى أنّ للإنسان حياة اُخرى بعد الموت تسمى الحياة البرزخية، وهذه الحياة هي نفس حياة الشهداء التي يحكي عنها قوله تعالى: “بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ” (آل عمران 169)، وهي نفس حياة النّبي صلى الله عليه وآله وسلم والأئمّة من أهل البيت عليهم السلام، حيث يسمعون سلامنا ويردون عليه. وهي أيضاً نفس حياة الطغاة والأشقياء كالفراعنة الذين يعاقبون صباحاً ومساءً بمقتضى قوله تعالى: “النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا” (غافر 46).
ومن جانب آخر نعرف أنّ الجميع، من الملائكة والبشر والأرواح، ستموت في نهاية هذا العالم مع أوّل نفخة من الصور: “فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ” (الزمر 68). ولا يبقى أحد سوى الذات الإلهية (بالطبع على خلاف ما أوضحناه في نهاية الآية (86) من سورة الزمر بين موت وحياة الملائكة والأرواح، وبين موت وحياة الإنسان). وعلى هذا الأساس فإنّ هناك حياة جسمانية وحياة برزخية، ففي نهاية العمر يحل الموت بحياتنا الجسمانية، لكن في نهاية العالم يحل بحياتنا البرزخية. يترتب على ذلك أن تكون هناك حياتان بعد هذين الموتتين: حياة برزخية، وحياة في يوم القيامة. وهنا قد يطرح البعض هذا السؤال: إنّنا في الواقع نملك حياة ثالثة هي حياتنا في هذه الدنيا، وهي غير هاتين الحياتين، وقبلها أيضاً كنّا في موت قبل أن نأتي إلى هذه الدنيا، وبهذا سيكون لدينا ثلاث موتات وثلاثة إحياءات. ولكن الجواب يتوضح عند التدقيق في نفس الآية، فالموت قبل الحياة الدنيا (أي في الحالة التي كنّا فيها تراباً) يعتبر “موتاً” لا “إماتة” وأمّا الحياة في هذه الدنيا فالبرغم من أنّها مصداق للإحياء، إلاّ أنّ القرآن لم يشر إلى هذا الجانب في الآية أعلاه، لإنّ هذا الإحياء لا يشكّل عبرة كافية بالنسبة للكافرين، إذ الشيء الذي جعلهم يعون ويعترفون بذنوبهم هو الحياة البرزخية أوّلا، والحياة عند البعث ثانياً.