رياض الفرطوسي
في السياسة الدولية، لا تكون الحقيقة دائماً فيما يُقال، بل فيما يُفهم. الكلمات تُصاغ بعناية، لا لتشرح الموقف، بل لتُبقي الخيارات مفتوحة. وفي عالمٍ اعتاد الصراخ والتهديد، تبدو اللغة الملتبسة أحياناً وسيلة دفاع أكثر منها مناورة.
منذ عام 1979، اختارت إيران أن تخاطب العالم من هذا الهامش الدقيق: لا مواجهة مباشرة إلا عند الضرورة، ولا تنازل مجاني مهما اشتد الضغط. خطابها الخارجي لا يشبه ضجيج خصومها، بل يميل إلى البرودة المحسوبة، وإلى إرسال الإشارات بدل إطلاق الرصاص.
في هذا السياق، جاءت مقابلة وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي مع شبكة “سي إن إن”. لم يكن الهدف إثارة جدل إعلامي، بل تصحيح صورة، أو على الأقل تخفيف حدّتها. حين يقول إن المشكلة ليست في الحرب بل في “سوء الفهم”، فهو لا يتهرّب من المسؤولية بقدر ما يشير إلى فجوة مزمنة في قراءة النوايا الإيرانية، فجوة كثيراً ما تحولت إلى أزمات كان يمكن تفاديها.
وعندما يؤكد التزام بلاده بعدم امتلاك سلاح نووي، مع التمسك بحقها في الطاقة النووية السلمية، فإنه يعيد التذكير بمبدأ قانوني تعترف به الاتفاقيات الدولية، لكنه يُستثنى غالباً عندما يتعلق الأمر بإيران. فالدولة التي تُطالَب دائماً بإثبات حسن النية، لا تجد حرجاً في المطالبة بالمقابل ذاته.
أما العقوبات، فليست في الخطاب الإيراني مجرد أداة ضغط، بل عقوبة جماعية طويلة الأمد، تُقدَّم غالباً بوصفها “وسيلة تفاوض”، بينما هي في الواقع شرط يسبق أي تفاوض جدي. من هنا يبدو طلب رفعها كاملًا أقل تشدداً مما يُصوَّر، وأكثر اتساقاً مع منطق التفاوض المتكافئ.
حتى الجملة التي بدت للبعض مزيجاً من التهديد والمجاملة—الحديث عن عدم الخوف من الحرب، والإشادة بذكاء الرئيس الأمريكي—يمكن قراءتها بوصفها محاولة أخيرة لترك الباب مفتوحاً أمام الحل العقلاني، لا التصعيد الانفعالي. كأن طهران تقول: القرارات الكبرى لا تحتاج عضلات، بل بصيرة.
ما بين السطور، لا تبدو إيران دولة تبحث عن صدام، بقدر ما تسعى إلى تجنّبه دون أن تدفع ثمناً يمس صورتها أو موقعها. فهي تفاوض، نعم، لكنها ترفض أن تُدفع إلى الطاولة تحت ضغط الإهانة. تحاور، لكنها لا تقبل أن يُختزل تاريخها ودورها في ملف واحد.
قد يختلف العالم مع إيران في سياساتها، لكن تجاهل لغتها الخاصة، وطريقتها في التفكير، كان دائماً وصفة جاهزة لسوء التقدير. وفي السياسة، كما في الأدب، أسوأ الأخطاء هي تلك التي تنتج عن قراءة النص بلا فهم للسياق.
وهكذا، تواصل إيران إرسال رسائلها بين السطور: هادئة في ظاهرها، صلبة في جوهرها، ومفتوحة على حلٍّ لو أُحسن الإصغاء… لا فقط السمع.