وأخيراً… طاولة إسطنبول!

رياض الفرطوسي

لم يكن الطريق إلى إسطنبول قصيراً، ولا مستقيماً. عشرون عاماً من الدوران في الحلقة ذاتها، من مفاوضات ثنائية تُشبه المرايا المغلقة: واشنطن ترى نفسها، وطهران ترى صمودها، فيما المنطقة كانت ترى الخسائر تتراكم بصمت.

اليوم، اتّسعت الطاولة.

وهذه ليست مسألة بروتوكول، بل اعتراف متأخر بأن الشرق الأوسط لا يُدار من غرفة جانبية، ولا يُختصر في ملف نووي مكتوب بلغة أجهزة الطرد المركزي.

لسنوات طويلة، أصرّ الخطاب الأمريكي على تقديم إيران بوصفها “مشكلة تقنية”: نسبة تخصيب، جدول تفتيش، توقيع هنا وتأجيل هناك. لكن الواقع كان — ولا يزال — أكثر تعقيداً. إيران لم تتعامل يوماً مع نفسها كملف، بل كدولة تعرف موقعها في الجغرافيا، وتقرأ التاريخ جيدًا، وتفاوض على أساس النفوذ لا النوايا.

من هذه الزاوية، فإن طاولة إسطنبول تمنح طهران ما كانت تطالب به ضمنياً منذ زمن: اعترافاً بأن ما يجري ليس شأناً أمريكياً–إيرانياً خالصاً، بل معادلة إقليمية كاملة، لا تستقيم دون حضور اللاعبين الأساسيين فيها.

وجود مصر والسعودية والإمارات وعُمان وتركيا وباكستان لا يضغط فقط على إيران، كما قد يظن البعض، بل يضغط على الرواية الأحادية التي حكمت التفاوض طويلًا. فحين تتعدد الأصوات، يصبح من الصعب اختزال إيران في صورة “التهديد النووي”، وتظهر — بين السطور — كقوة إقليمية لها حساباتها، وأوراقها، وخطوطها الحمراء.

المفارقة اللافتة أن ما كانت تطالب به دول المنطقة منذ ربع قرن — توسيع دائرة الحوار — هو بالضبط ما كانت تستفيد منه إيران استراتيجياً، دون أن تطلبه صراحة. فإيران تجيد لعبة النفس الطويل، وتعرف أن الزمن، حين يطول، يعمل لصالح من يملك القدرة على الصبر.

طاولة إسطنبول لا تعني انتصاراً لأحد، لكنها تعني سقوط وهمٍ قديم: وهم أن الحل يُصاغ بلا شهود، وأن التوازن يُفرض من الأعلى. هنا، في هذه المدينة التي تعرف كيف تجمع المتناقضات، تجلس إيران لا بوصفها ضيفًا تحت الاختبار، بل طرفاً يعرف أن حضوره بات أمراً واقعاً، لا يمكن تجاوزه ولا القفز فوقه.

ربما لهذا السبب تحديداً، تبدو طاولة إسطنبول مختلفة.

أقل ضجيجاً، أكثر واقعية، وأقرب — ولو بخطوة — إلى سياسة تعترف بأن القوة ليست دائماً في رفع السقف، بل أحياناً في الجلوس بثبات… وترك الآخرين يعيدون حساباتهم.