مظاهرات تجار العراق، نعيم الخفاجي

مظاهرات تجار العراق، نعيم الخفاجي

شيء ممتاز ورائع نشاهد بالمجتمع العراقي وجود مواطنين ينتقدون بكلمات جارحة الرئاسات الثلاث، بعد عقود طويلة من الظلم والاضطهاد والاستبداد والعبودية، كان عدم ذكر كلمات التبجيل إلى صدام الجرذ والبكر كافية على اعتقال المواطن واعدامه.
كنت طالب في الصف الثالث متوسط، شنت سلطات البعث حملة شعوداء بحق أبناء مدينتي الباسلة مدينة قضاء الحي مصنع الابطال، تم اعتقال طالب معي عمره ١٤ سنة، التهمة ذكر اسم صدام وضحك، النتيجة وضعوه بالسجن ستة اشهر، اشبعوه ضربا وتعذيب، الشخص معروف في قضاء الحي اسمه الحاج سعيد حمود، اعتقلوه لكونه ذكروا اسم صدام أمامه وضحك.
مدينتي مدينة الحي، مصنع الابطال، منها انطلقت انتفاضة شعبية عام ١٩٥٦ ضد همجية النظام الملكي البائد وزبانيته من حثالات الاقطاعيين اعداء الانسانية، ورحم الله ابن عمي وزوج شقيقتي، رشك شذر، شارك في الانتفاضة، كان شيوعي، وكانت المطالب واضحة، إنهاء سيطرة النظام الاقطاعي الحقير على رقاب الفلاحين وعامة المواطنين، تم قمع الانتفاضة، وتم اعدام اثنين من ابطال أبناء قضاء الحي وقصتهم معروفة، الشهيدين هما علي الشيخ حمود والد الصديق المرحوم عطا والذي كان لاجئا في الدنمارك، والشهيد عطا الدباس، حيث تم عمل محاكمات صورية جرت في إحدى مدارس لواء الكوت، كانت بحق محاكمة تثير الشفقة، حيث صمد الشهيدين، ورفضوا كل عروض النظام الملكي الساقط والفاقد للانسانية، حكمت بالإعدام شنقا حتى الموت على البطلين علي الشيخ حمود وعطا مهدي الدباس، قبل تنفيذ حكم الإعدام بلحظات عروضوا على الشهيدين راتب قدرة مائة دينار بذلك الوقت، مقابل ترك معادات النظام الملكي، كان رد الشهيدين، هذه أموال الشعب، نموت لكن تسقطكم الجماهير، وفعلا فعلها الزعيم الخالد عبدالكريم قاسم وحطم عروش البغي والعهر والانحطاط الاخلاقي، لكن مشكلة العراق الحقيقة، وجود صراع قومي ومذهبي مستدام، ولايمكن للعراق ان يتعافى ويصبح دولة محترمة دون وجود نظام حكم يضمن مشاركة الشيعة والسنة والاكراد، وترك قضية الحكم المركزي بالعراق، وكل سياسي يطالب في دولة مركزية يعمل ضد مكونه وضد أبناء المكونات العراقية، جربنا دولة مركزية طيلة قرن من الزمان لم نجني سوى القتل والاضطهاد وسيل دماء ملايين من البشر.
يوجد قول للإمام علي ع لو كان الفقر رجل لقتلته، يفترض يشترك الجميع بمحاربة الفقر من خلال دعم الزراعة والصناعة، بدولة العهد الإلهي توجد رواية، أن المهدي يحثو المال حثوا على الناس، حتى أن المؤمن يتصدق بالذهب والفضة ولم يجد احد يأخذها، يعني هذا ليس توزيع أموال وإنما من خلال تنتهج البشرية نهج العمل وتترك نهج الحروب، واستعمار الآخرين، عن الفيلسوف المتألق الإنساني الإمام علي بن أبي طالب ع، قال، ما جاع فقير إلا متع به غني، على المسؤولين وأصحاب القرار دعم القطاع الخاص أسوة في دول أوروبا التي جعلت من القطاع الخاص هو الحاكم.
سبق لي بعام ٢٠١٣ كتبت مقال نشرته بصحيفة صوت العراق، قلت لو تم إعطاء ميزانية الجيش الأمريكي البالغة تريليون دولار الى ميزانية الدولة العراقية، صدقوني لم نصبح دولة صناعية أو زراعية، لايوجد لدى القوى السياسية الحاكمة بالعراق وفي الدول العربية شلع قلع من المحيط إلى الخليج، من يدعم صناعات القطاع الحكومي والقطاع الخاص، كل ما يعرفه القادة العرب جميعا الاعتماد على الاقتصاد الريعي، يبيعون نفط ويسددون مرتبات الدولة والموظفين والعسكر، مال قضية يدعمون صناعات القطاع العام والقطاع الخاص هذا بعيد كل البعد عن تفكيرهم.
شاهدنا خروج مظاهرات إلى تجار عراقيين، بسبب قيام الحكومة العراقية بفرض ضريبة على البضائع التجارية، وبنسبة تبقى جدا قليلة إذا قورنت مع الضرائب المفروضة في الدنمارك والسويد والمانيا وامريكا وبريطانيا.
فرض ضرائب عالية على بعض المنتجات ببعض الدول، الهدف منه حماية المنتج الوطني، ربما الحكومة العراقية فرضت زيادة الضرائب على الطماطم والخيار والتمور المستوردة لدعم المنتج الوطني العراقي، وليس دفاعا عن الحكومة.
لدينا بالعراق جشع بشكل لايوصف لدى الكثير من التجار العراقيين، شركات الانترنت والاتصالات أسعارها أغلى من أسعار الدنمارك، ورغم شركات الاتصال بالدنمارك يدفعون نسبة ٥٥% من الأرباح لدائرة الضرائب الدنماركية، وكل ذلك، اسعار الاتصالات والانترنت بالدنمارك ارخص بكثير من أسعار شركات الاتصال العراقية، أين يوجد الخلل.
بزياراتي المتكررة الى العراق، رأيت هذا العام حرمت السلطات العراقية الفلاحين من زراعة الحنطة في واسط والعمارة والناصرية، والعجيب ليل نهار دوريات الشرطة والجيش تنظم دوريات، وياويل الفلاح الذي يشغل مضخة مياه، يشعلون جد جده، بينما أهالي شمال بغداد وغرب العراق المسؤولين في وزارة الموارد المائية يغضون نظرهم عن الفلاحين، وسوف تشاهدون صدق كلامي في موسم تسويق منتج الحنطة هذا العام، كتبنا مقالات كثيرة وناشدت رئيس الحكومة العراقية السيد محمد شياع السوداني، وقلنا يا دولة عراقية مياهكم ذاهبة لشط العرب، دون الاستفادة منها، وزير الموارد المائية كل تفكيره كيف يقاوم اللسان الملحي، قلناها يا حكومة عراقية، ماعندكم سدود، طيب اسمحوا للفلاحين بالأسبوع يشغلون مضخاتهم يومين فقط، ماراح يجف نهر دجلة ولانهر الغراف، عقول تعبانه، ماتعرف تفكر كيف تتجاوز الأزمات، نسأل الله أن تسرع الصين والهند الإسراع في الاعتماد على الطاقة البديلة وبعد محد راح يشتري نفط بكميات كبيرة شلون راح تديرون اموركم.
مرة شاهدت مسؤول عراقي يقول نحن نستعمل ٩٠% من المياه بالزراعة والشرب ولم تذهب إلى الخليج، وهذا الكلام كذب……الخ.
ادعوا السيد رئيس الوزراء الاستاذ محمد شياع يذهب إلى البصرة ويقف على كورنيش العشار ليشاهد بنفسه كميات المياه التي تذهب هدرا للخليج دون الاستفادة منها.
سنويا يدخل العراق من نهر دجلة فقط خمسون مليار متر مكعب، يفترض الية توزيع هذه المياه على محافظات الموصل وكركوك وديالى وبغداد وواسط والناصرية والعمارة والبصرة، توزيع الخمسين مليار متر مكعب على تلك المحافظات والكف عن بدعة المراشنة، كل أسبوع ليلة واحدة فقط يحق إلى الفلاحين تشغيل مضخاتهم، اقسم بالله لو يتم تشغيل مضخات المزارعين من بغداد إلى البصرة في كل أسبوع يومين متتاليتين، صدقوني لم ولن يجف نهر دجلة وفروعه نهر الغراف والدجيلي ابدا، لكن جيبوا العقل لصاحب القرار الذي يفهم ذلك.
شاهدت الحكومة العراقية منحت شركات تركية ومصرية فرص استثمارية بمجال بناء مجمعات سكنية، الشيء الذي رأيته الحكومة العراقية تمنح الشركات المستثمرة أراضي لإقامة المشاريع بشكل مجاني، وسعر الشقة السكنية الواحدة بثلاثمائة مليون دينار عراقي، نفس هذه الشقة تباع في تركيا ومصر بمبلغ لا يتجاوز أربعين ألف دولار في تركيا ومصر، أين يكمن الخلل.
الأخ الصديق السيد محمد عبدالامير كتب تعليق في الفيس بوك حول مظاهرات التجار بالعراق هذا نصه( نستطيع ان نعتبر القرار صحيح ، ولكن ماذا عن المستثمرين الأجانب بل وحتى العراقيين الذين حصلوا على أراض بلاش وقروض بدون فوائد وتجهيز مواد تخص البناء، ومن ثم عند اكتمال العمل يجري على البيع إذا كان وشققا سكنية، او ايجار تكون بعشرات ومئات الملايين من الدنانير خالية من أي ضريبة او دون سقف معين للبيع ..، من حق الشعب العراقي ان يرى اين تذهب اموال الضرائب وكيف يتم استغلالها وخصوصا، وان هذا القرار جاء متاخر جدا لحماية المنتج الوطني، والذي يعاني من شلل شبه كامل ونواقص كثيرة، ومنها عدم مد يد العون من قبل الحكومة، لدفع مرحلة الاعتماد على الوطني إلى الأمام، للتشجيع ورفع الكفاءة الإنتاجية دون الاعتماد على دول الجوار … ،المسالة الاخرى هو المسؤولين هم الذين يستغلون هذه الأوضاع بالقروض لتهريب العملة بحجة الاستيراد وضرب الاقتصاد الوطني دون اي ردة فعل، لا من الشعب ولا من المسؤول عن ملف الاقتصاد، ولا من البرلمان، ولا الجهات ذات العلاقة).
انتهى تعليق السيد محمد عبدالامير، بالحقيقة وجود البترول بالعراق كان نقمة وليس نعمة على الشعب العراقي، بسبب البترول شنت الحروب العبثية، ولو كان العراق دولة فقيرة لما أتت دول الاستعمار إلى احتلال العراق والشرق الاوسط، وتدخلوا بشؤوننا بكل شيء، حتى علينا أن ناكل ونشرب ونغضب ونفرح ونعادي مثل مايريدون منا أصحاب الاساطيل التي تجوب مياه الشرق الأوسط، انا لم ولن ألوم أصحاب الاساطيل والقوات العسكرية، بل ألوم ساسة العراق الحاليين، ألم تكفيكم كل هذه الحروب وسيلان ابحر من الدماء البريئة، اخي الشيعي المحترم وجدت قصة في الأثر هذا نصها( يحكى أن قطا أدركه الهرم فأصبح يؤثر الكسل على أي عمل مفيد فبات عبئا على بني قومه فنبذوه لكثرة كلامه بلا علم وكثرة أكله بلا عمل سخط الهر فلجأ إلى كلب يناصب قومه العداء شاكياً له تنكر قومه وضجرهم منه وزهدهم فيه راجيا منه أن يشفي غليله منهم وجد الكلب فرصته الذهبية ليحقق مبتغاه فحشد أقرانه وجعل القط في مقدمتهم ليرشدهم إلى مواقع القطط فأغاروا عليها وجعلوهم شذرا مذرا وشردوا أهلها وقف القط العجوز منتشيا فوق الأطلال المدمرة وهز ذيله مسروراً بانتصار الكلاب على بني قومه وألقى قصيدة عصماء يشكر فيها كبير الكلاب على إعادته سيدًا مبجلا لوطنه إقترب منه كبير الكلاب ولطمه لطمة رمته أرضاً بين الحياة والموت وقال له هازئا أيها المغفل إن وطنا طردتك منه القطط أتبقيك فيه الكلاب؟ لو علم فيك قومك خيرا ما نبذوك ولو كان فيك شيء من الوفاء ما كشفت لنا ظهر قومك ولو كنت ذا بأس ما لجأت إلينا أيها التعس أو بلغ بك ظنك الأحمق أن الكلاب تنشئ لك وطنّا، هذه القصة بها مصديق عملية لدى أحفاد عدنان وقحطان، مشكلتنا ماعندنا ساسة حكماء يفكرون بواقعية ويوجدون نظام حكم يجمع الشيعة والسنة والاكراد مع بعض بدولة يشارك بها الجميع دون تهميش، يبقى خيار تطبيق نموذج الإمارات أو الاقليم الخمسة هو الخيار الأكثر واقعية لإنهاء الصراعات القومية والمذهبية، وانهاء ظاهرة الاستقواء بالاجنبي والمستعر لتحقيق أهداف مريضة احقادالطائفية والمذهبية، لدى ساسة شركائنا بالوطن، على الساسة دعم صناعات القطاع الحكومي والقطاع الخاص، على الساسة الشيعة يسمحون إلى الفلاحين في المحافظات الجنوبية تشغيل مضخاتهم بالأسبوع يومين وسوف تشاهدون لايجف نهر دجلة ولايجف نهر الغراف، مع خالص التحية والتقدير.

نعيم عاتي الخفاجي
كاتب وصحفي عراقي مستقل.
9/2/2026