صبحي نابو
يعد خضر إلياس (خدر إلياس و خدر نبي) من المناسبات الدينية المميزة في الإيزيدية، حيث يعكس ارتباط الإنسان الإيزيدي بالطبيعة.
يرتبط العيد بشخصيتين مباركتين هما خدر وإلياس، اللذان يجسدان في الموروث الديني رموز الخير والعون، وخاصة تحقيق الأمنيات، مع دلالات عميقة تتعلق بالحياة والخصب والمعرفة والمطر.
تعود إحدى أقدم الإشارات الرمزية المرتبطة بـ “خضر الياس” إلى ملحمة جلجامش السومرية (حوالي 2000 ق.م). فبعد أن ذهب جلجامش وصديقه إنكيدو إلى الصيد وقتلا أحد الحيوانات في موسم تكاثرها، أصيب إنكيدو بمرض شديد فُسرَ كعقاب للاعتداء على دورة الحياة . هذا الحدث دفع جلجامش إلى رحلة البحث عن الخلود، وأصبح رمزاً لتحذير الإنسان من الإضرار بالطبيعة.
النص الديني الإيزيدي عن خضر الياس :
Qawle kofiya
Kofiye te yî bi tertêfe, Mêra jê dibir nesîbe, Pîrê
Libinano Xidir Liyas bi xwe neqîbe.
وتتطابق هذه الأسطورة مع التقليد الإيزيدي الذي يمنع الصيد والذهاب إلى البراري في شهر شباط ، باعتباره شهر تزاوج الحيوانات وتجدد الحياة في الطبيعة.
الخضر في عهد الإسكندر الأكبر المقدوني (356-323 ق.م)
تروي الذاكرة الإيزيدية أن الخضر ظهر أيضاً في عهد الإسكندر ذو القرنين، حيث كان مستشاره الروحي. وتذكر الروايات أن أحد المستشارين، مرجان، أقنع الإسكندر بأن الخضر قادر على جلب ماء الحياة، مما يعكس مكانة الخضر كرمز للمعرفة والخلود.
كما ظهر في عهد” مير إبراهيم آدم” ، حيث جلب له اللؤلؤ من أعماق البحار، مما يؤكد استمرار خدر إلياس و خدر نبي في الوعي الإيزيدي عبر العصور.
البعد الزراعي والرمزي وانتشار شخصية الخضر عبر الثقافات
يرتبط عيد خدر إلياس أيضاً بنهاية الموسم الزراعي وبداية دورة الإخصاب في الطبيعة، ولا يزال الإيزيديون يرددون القول الشعبي:
«خدر إلياس صال خلاص»
في إشارة إلى انتهاء الاستعدادات الزراعية وبدء مرحلة جديدة من نمو الأرض.
وتحمل الطقوس المرتبطة بالمناسبة عبق الماضي، إذ تعود جذورها إلى أولى مراحل ظهور شخصية الخضر وتلازمه مع إلياس. وتُرجع بعض النصوص الإيزيدية خدر إلى الملاك جبرائيل حامل العلوم الإلهية، بينما يُنسب إلياس إلى الملاك عزرائيل، ويفسر اختفاؤهما عند لقائهما بالإيمان بخلود روحيهما.
شخصية خدر إلياس في بعض الثقافات الأخرى:
– هو الخضر عند المسلمين – خواجة خضر في الهند
– خدرى زينده Xidirê Zêndê لدى الأكراد
– وجرجيوس عند المسيحيين – إرميا في التراث العبري
يرى بعض الباحثين أن خدر وإلياس يقابلان الإلهين أدد/هدد المرتبطين بالمطر والخصب في ديانات بلاد الرافدين القديمة.
على الرغم من تباين العصور وتعدد الروايات، ظلت شخصيتا الخضر وإلياس من أبرز الرموز الدينية حضوراً وانتشاراً بين الكثير من الشعوب، وإن اختلفت تسمياتهما، إلا أن المناسبة تأتي في توقيتٍ مشترك.
الصيام والطقوس الدينية
يحتفل بعيد خدر إلياس في أول خميس من شهر شباط الشرقي، ويسبقه ثلاثة أيام من الصيام:
– الاثنين: صوم خدر والثلاثاء: صوم إلياس
– الأربعاء: صوم تحقيق الأمنيات
ويلزم الأشخاص الذين يحملون اسم خدر، خضر ،إلياس بالصيام، بينما يصوم معظم الإيزيديين اليوم الأخير فقط.
النص الديني الإيزيدي:
Qawle dê Emîrekî dê mamê
Birma Dîwana padşyê mine rênas, li ber seknîya hezar Qelender û Xass, nur ji kesik û Sor û Sipî, Reş Libas.
Dû Cindîyê qedem gûhast rawastan, Hilê Reş li bejnê wan, (yek Xidira yek Elyas) , bi şahiye wan digerê kass.
طقوس العيد:
1. الامتناع عن الصيد والذبح
يمنع صيد الحيوانات أو ذبحها خلال العيد، انسجاماً مع الاعتقاد بأن هذه الفترة هي موسم تكاثر الكائنات الحية، وهو امتداد مباشر للدرس الأخلاقي في قصة إنكيدو.
2. الامتناع عن السفر
يُعتقد أن خدر إلياس يكون في حالة ترحال خلال هذه الأيام، ولذلك يُفضّل عدم السفر لمسافات طويلة.
3. تحريم قطع الأشجار
تُمنع هذه الممارسة لأن العيد يقع في فترة نمو وتجدد للطبيعة، مما يعكس تقديس الإيزيديين للأرض.
الاكلة التقليدية
– البيخوين: خليط مكون من سبع انواع من الحبوب الزراعية المطحون مع الملح، يوضع جزء منه في مكان مرتفع ليزور الخضر البيت ويضع إشارة فرسه عليها، كما يُقدَّم في أمسيات الصيام.
الطقوس الاجتماعية والتقاليد المرتبطة بالزواج
تجتمع أفراد العائلة في ليلة العيد، ويتناول الشباب والبنات قليلاً من البيخون أو الخبز المملّح المُعدّ خصيصاً لهذه المناسبة. ووفقاً للمعتقد الشعبي، فإن من يرى في حلمه شخصاً يقدّم له الماء من بيتٍ معيّن، يكون نصيبه الزواج من ذلك البيت، مما يجعل هذا الطقس جزءاً مهماً من تقاليد الزواج في المجتمع الإيزيدي.
كما تقوم العائلات بقصّ خصلة صغيرة من شعر الأطفال طلباً للحماية، وتثقب الأمهات آذان أطفالهن حديثي الولادة اعتقاداً بأن الألم يكون أخفّ خلال أيام العيد.
ختاماً :
يمثل عيد خدر إلياس وخدر نبي مناسبة دينية واجتماعية تجمع بين الأسطورة والتاريخ والطقس تجسد علاقة الإنسان الإيزيدي بالطبيعة واحترامه لدورة الحياة. ومن خلال طقوسه الممتدة عبر آلاف السنين، يواصل الإيزيديون الحفاظ على هويتهم الروحية، وعلى قيم الحماية والبركة والبحث عن المعرفة، في عيدٍ يجمع الماضي بالحاضر ويؤكد أصالة التقاليد الإيزيدية وعمقها.
الشيخ صبحي نابو رئيس المجلس الديني الإيزيدي