PKK يسيطر ويقتل ويخرب في شمال العراق… والدولة العراقية عاجزة

إيهاب مقبل

منذ أعوام طويلة، صار وجود حزب العمال الكردستاني (PKK) في شمال العراق عنصرًا أمنيًا مضطربًا، تجاوز كونه مجرد صراع مع تركيا إلى أن يكون عامل تهديد داخل الأراضي العراقية نفسها. هذا التنظيم، المصنف إرهابيًا في تركيا ودول أخرى، ارتبطت أنشطته في العراق بسلسلة من الجرائم والانتهاكات الأمنية والاقتصادية والاجتماعية، ما أثر على الأمن الوطني والاستقرار الاجتماعي.

السيطرة على 500 قرية وحياة السكان تحت النفوذ المسلح
وفق تقارير أمنية عراقية وتركية، يسيطر PKK فعليًا على نحو 500 قرية وموقع استراتيجي في شمال العراق، لا سيما في أربيل، دهوك، وسنجار. هذه السيطرة ليست رمزية، بل تمتد إلى إدارة حياة السكان اليومية، حيث يفرض الحزب قوانينه الخاصة ويجبر السكان على اتباع أوامر التنظيم التركي، سواء فيما يخص التحركات، التجمعات، جمع الإتاوات، التجنيد القسري للأطفال والنساء، أو دعم الأنشطة العسكرية واللوجستية للحزب.

يعيش المدنيون في ظل حياة مراقبة ومحدودة الحرية، حيث يُفرض عليهم تقديم مساعدات مالية وعينية لدعم عمليات الحزب أو الامتثال لقواعده الصارمة. ويُعد هذا النفوذ مسلطًا على السكان المحليين ويحوّل القرى العراقية إلى منصات انطلاق لهجمات ضد تركيا، بما يجعل النشاط التركي العسكري داخل العراق مبررًا من منظور أنقرة للأمن القومي.

الهجمات المسلحة والاشتباكات
من أبرز الجرائم المنسوبة إلى الحزب في العراق هي الهجمات المسلحة التي تستهدف قوات محلية وأخرى عسكرية عبر الحدود وما تلاها من مواجهات. ففي ديسمبر أيلول 2020، اندلعت اشتباكات بين مقاتلي PKK وقوات البشمركة الكردية التابعة لإقليم كردستان، عندما فتح عناصر الحزب النار على مواقع البشمركة مستخدمين أسلحة ثقيلة وألغام، ما أدى إلى مقتل وإصابة عدد من الجنود قبل أن تتمكن قوات البشمركة من استعادة السيطرة على المنطقة. تلك الاشتباكات لا تُظهر فقط وجود قوة مسلحة خارج سلطة الدولة، بل تُبرز تصادم مصالح PKK مع قواتٍ عراقية رسمية، وهو ما شكل مصدر قلق أمني داخلي متواصل في الإقليم.

كما وثّقت السلطات العراقية في يناير كانون الثاني 2025 حادثة إطلاق نار على قوات حرس الحدود العراقيين في منطقة باطوفة بمحافظة دهوك الحدودية من قبل عناصر يُعتقد أنهم تابعون لحزب العمال الكردستاني، ما أدى إلى مقتل عنصرين من الحرس، وهو مؤشر على أن نشاطات التنظيم المسلح تمتد إلى مهاجمة قوات الدولة العراقية أثناء تأدية مهامها.

الهجمات بالطائرات المسيرة (الدرون)
خلال السنوات الأخيرة، استخدم الحزب الطائرات المسيرة في شن هجمات على مواقع حدودية وقوات تركية، مستغلاً التضاريس الجبلية في شمال العراق كمنصات للإقلاع. هذه الطائرات استُخدمت لمراقبة تحركات القوات، تنفيذ هجمات محدودة، ونقل رسائل تهديد، ما رفع مستوى التهديد الأمني في المنطقة وأجبر القوات التركية على الرد الجوي. كما أنها تعكس قدرة PKK على تطوير تكتيكات متقدمة في حرب غير تقليدية، مع استخدام الأراضي العراقية كقاعدة عمليات أساسية، وهو ما يفاقم أزمة الدولة العراقية في فرض السيطرة على شمال البلاد.

اغتيالات واستهداف الصحفيين
داخل مناخ النزاع المسلح في شمال العراق، ظهرت تقارير إعلامية ومنظمات حقوقية تشير إلى حوادث تتعلق باستهداف الصحفيين أو العاملين في الإعلام على خلفية تغطية الصراعات أو قربهم من مناطق تواجد PKK، رغم أن المسؤولية المباشرة لم تُحسم قضائيًا في كل حالة.

من بين الأمثلة البارزة، تعرض صحفي كردي في إقليم كردستان للاختطاف والقتل في ظروف غامضة عام 2016، وقد أثارت الحادثة قلق منظمات حقوق الصحفيين كونها جاءت في بيئة متوترة يسيطر فيها PKK على مساحات واسعة من الجبال. وفي أحداث لاحقة، وثّقت منظمات مثل مراسلون بلا حدود مقتل صحفيين أثناء تغطية الاشتباكات أو القصف في مناطق يُعتقد أن PKK ينشط فيها، ما أثار انتقادات حول حماية الصحفيين في مناطق الصراع شمال العراق.

الحرائق والتفجيرات والتخريب الاقتصادي
اتهمت السلطات التركية والعراقية الحزب بالوقوف خلف حرائق وتفجيرات في الأسواق والمناطق الحيوية بالشمال العراقي، وكذلك تخريب شبكات الطاقة والطرق والجسور، ما تسبب في خسائر اقتصادية كبيرة ونزوح سكان. فمثلاً، في يوليو تموز 2024، أعلنت وزارة الداخلية وحكومة إقليم كردستان عن كشف شبكة مسؤولة عن إشعال حرائق متعمدة وتفجيرات مركبة في محافظات أربيل وكركوك ودهوك بهدف تعطيل الحركة الاقتصادية وتهديد السكان المحليين.

خاتمة: هشاشة الدولة العراقية وتهديد السيادة
سجل الجرائم والانتهاكات التي نُسبت إلى PKK في العراق، من اشتباكات مسلحة، اغتيالات، حرائق، تفجيرات، استهداف الصحفيين، وصولاً إلى السيطرة على حياة آلاف المدنيين في 500 قرية شمال العراق، يعكس واقعًا مؤلمًا للدولة العراقية.

بينما يرفع العراق شعار السيادة في مواجهة التدخلات الخارجية، يبقى السؤال الجوهري: كيف يمكن حماية السيادة وأمن السكان في ظل وجود تنظيم أجنبي مسلح يفرض أمر واقع ويستغل ضعف الدولة؟ استمرار هذا الوضع لا يضعف موقف العراق فقط أمام تركيا والمجتمع الدولي، بل يُبقي شمال البلاد في دائرة الخطر المستمر، ويحوّل الدولة من صاحب قرار إلى ساحة صراع مفتوحة، يدفع ثمنها المدنيون أولًا وأخيرًا.

انتهى