رياض سعد
لم يكن الشيخ حسن زاهدًا بالمعنى الشائع، بل كان جائعًا للطمأنينة، يلتقط الأذكار كما يلتقط الغريق قشَّات الضوء… ؛ كان يؤمن أن الكلمات إذا ما أُعيدت بما يكفي، تنقلب مفاتيح، وأن الأبواب المغلقة في النفس لا تُفتح إلا بالاسم الصحيح… ؛ لهذا ظل يبحث في الكُتب والهوامش وأحاديث العارفين، حتى عثر ذات مساء على ذِكرٍ منسوبٍ إلى العارف رجب الخياط، رجلٍ قيل إنه خاطَ الأرواح كما تُخاط الثياب، غرزةً غرزة …
قيل له إن الذكر يُهذِّب النفس من صدئها، ويُربك الشيطان حتى ينسى طريقه إلى القلب… ؛ صدَّق حسن، لا لأن الدليل كان قاطعًا، بل لأن التعب كان عميقًا… ؛ و بدأ يردِّد الذكر، مرةً بعد مرة، حتى صارت الكلمات تدور في رأسه كطاحونة هواء في صحراء… ؛ عشرة آلاف مرة لم تكن رقمًا، بل جدارًا اصطدم به جسده… ؛ وحين خانته القوة، سقط في الفراش كما تسقط شمعة بعد آخر ارتعاش…
هناك، في المسافة الرقيقة بين النوم واليقظة، انشقَّ الهواء… ؛ رأى رجلًا فارع الطول، أبيض البشرة، تنسدل جدائل شعره على كتفيه كأثر حلمٍ قديم… ؛ كان حضوره أشبه بلوحةٍ معلَّقة بين السماء والهاوية، يبتسم ابتسامة لا تُطمئن ولا تُرعب، بل تُربك… ؛ وقف عند باب الغرفة، ثم تقدَّم ببطءٍ محسوب، كأن الأرض تُقاس بخطواته…
تلفَّظ حسن بالاستعاذة، فقهقه الرجل، وقال بصوتٍ ناعمٍ كالسِّكين:
– أنا إبليس.
ارتجفت الكلمات في فم حسن، فاستنجد بما حفظه قلبه قبل لسانه، وراح يتلو سورة الإخلاص… ؛ لكن الضحك ازداد، ساخرًا، مجوَّفًا، حتى تمدَّدت ذراعا القادم، وتشعَّبتا، وأطبقتا على جدران الغرفة، كأن المكان صار قفصًا، وكأن حسن صار فكرةً محاصَرة...
اقترب الوجه من الوجه… ؛ تغيَّرت الملامح… ؛ ذاب الأنف، وتحوَّلت العينان إلى فراغين موحشين، وتكثَّف القبح حتى صار شكلًا خالصًا بلا اسم… ؛ عندها لم يجد حسن إلا نداءه الأخير، فهتف من أعماقه:
– يا علي… يا علي… يا علي.
كان النداء أشبه بحجرٍ أُلقي في ماءٍ أسود… ؛ تقلَّصت الأذرع، وانكمش الجسد، وصغر القادم حتى غدا كائنًا قزمًا، مشوَّهًا، يفرُّ نحو الباب وهو يزبد بالوعيد:
– سأعود… وسأجعل منك درسًا.
استفاق حسن مفزوعًا… ؛ لم يذق النوم بعدها… ؛ انتظر الفجر كما يُنتظر الحكم، وصلّى، ثم انهار في نومٍ نهاريٍّ ثقيل، بلا أحلام…
وحين نهض، رنَّ هاتفه… ؛ رقمٌ مجهول، بلا اسم ولا ملامح، صوتٌ بارد يتوعَّده بالقتل، كأن الحلم قد وجد طريقه إلى الأسلاك… ؛ عندها فقط أدرك حسن أن الذِّكر لا يفتح الأبواب وحدها، بل يُنبه الظلال أيضًا، وأن الطريق إلى النور يمر أحيانًا في قلب العتمة.
جلس صامتًا، لا خائفًا ولا مطمئنًا، بل واعيًا… ؛ فهم أن المعركة لم تكن مع كائنٍ طارئ، بل مع ذاته حين تطرق أبواب الغيب دون أن تُحسن الإصغاء… ؛ ومنذ ذلك اليوم، صار يردِّد الذكر لا ليقهر الشيطان، بل ليهذِّب المرآة التي يرى فيها نفسه.