القرار الشيعي بين الثبات والضجيج

ضياء أبو معارج الدراجي

في اللحظات المفصلية من تاريخ الدول، تتكاثر الشائعات بقدر ما تقترب لحظة الحسم. وكلما اقترب القرار، ارتفعت نبرة الضجيج. لكن بين الضجيج والقرار تبقى هناك حقيقة واحدة: من يملك الأغلبية يملك زمام المبادرة.

أولاً، قادة الإطار التنسيقي لم يطرحوا سحب ترشيح نوري المالكي، لا لأنهم عاجزون عن التغيير، بل لأنهم يدركون أن كسر الإرادة الشيعية في لحظة اختبار يعني فتح باب لن يُغلق. القرار عندهم ليس ارتجالاً، بل التزام سياسي وأخلاقي تجاه جمهورهم. وهم ينتظرون كلمة المرشح نفسه، احتراماً لوزنه ولموقعه داخل المعادلة.

ثانياً، المالكي لم يأتِ بقرار فردي، بل بقرار أغلبية داخل الإطار. وانسحابه دون قرار مماثل من الجهة التي رشحته سيُقرأ هزيمة سياسية لا مراجعة تكتيكية. وهو يدرك أن التراجع تحت الضغط الإعلامي سابقة خطيرة ستُستخدم مستقبلاً لكسر أي مرشح قوي.

ثالثاً، في المعادلة الوطنية، ليس خافياً أن الحزب الديمقراطي الكردستاني بزعامة مسعود بارزاني يتجه لدعم تكليف المالكي، ومعه قوى كردية أخرى، وفي مقدمتها الاتحاد الوطني الكردستاني، وفق حسابات تتعلق بتوازن الشراكة وضمان الاستقرار السياسي.

رابعاً، الهجمة الإعلامية الأخيرة لم تأتِ من فراغ. بعد أن فشلت محاولات إقناع المالكي أو إقناع قادة الإطار بالانسحاب، انطلقت الجيوش الإلكترونية وبعض القنوات في حملة تسقيط مكشوفة. الرسائل واحدة، العناوين متشابهة، والمصادر “مجهولة” كعادتها. إنها معركة كسر إرادة قبل أن تكون معركة أرقام.

خامساً، الإطار يمتلك مع حلفائه من القوى الكردية والسنية القدرة العددية لتشكيل الحكومة وانتخاب رئيس الجمهورية دون المعترضين. لكنه يمنحهم الفرصة الأخيرة لمراجعة مواقفهم، حفاظاً على صورة الشراكة ومنعاً لتكريس انقسام طويل الأمد. إنها مهلة سياسية، لا ضعفاً في القرار.

أن ميزان القوى واضح، والقرار يقترب.

من يراهن على الضغط الإعلامي لكسر الأغلبية سيكتشف أن الواقع أقسى من الشاشات. السياسة تُحسم بالأرقام والتحالفات، لا بالهتافات ولا بالعناوين المثيرة ولا بالشائعات.

والأيام بيننا.

ضياء ابو معارج الدراجي