ضياء ابو معارج الدراجي
في عالمٍ يحترم رموزه، لا تُترك الأسماء المقدسة نهبًا للعبث الفني الرخيص، ولا تُستغل العقائد مادةً للتشويق والإثارة. ولعلّ ما جرى مع مسلسل الكارتون الروسي ماشا والدب يقدّم مثالًا واضحًا على حساسية الشعوب تجاه رموزها الدينية، مهما بدا العمل بسيطًا أو موجّهًا للأطفال.
هذا العمل، رغم كونه مستندًا إلى حكاية فلكلورية روسية، أثار جدلًا في بعض الأوساط في روسيا ودول البلطيق بسبب استخدام اسم “ماشا” (ماريا)، وهو اسم يرتبط في الوجدان المسيحي الروسي بالسيدة مريم العذراء عليها السلام. وحين شعر البعض بأن الاسم يوضع في سياقٍ لا ينسجم مع قدسيته، ارتفعت الأصوات اعتراضًا. قد يختلف الناس في تقييم حجم القضية، لكن الثابت أن المجتمعات الحيّة لا تتساهل مع ما تعتبره مساسًا برموزها.
فكيف يُستكثر على الشيعة في العراق أن يغضبوا حين تُستباح رموزهم بصورةٍ أوضح وأشد استفزازًا؟
مسلسل “حمدية” المزمع عرضه في رمضان على MBC عراق يتجاوز حدود الدراما الاجتماعية إلى منطقة العبث بالعقيدة. فتاة جنوبية تأتي لزيارة مرقد الإمام الكاظم عليه السلام، لتتعرف هناك على شاب يُدعى “مهدي”، ثم تنزلق القصة إلى حملٍ في الحرام. أي رسالة هذه؟ وأي صورة يُراد ترسيخها؟ أن يكون ضريح إمامٍ معصوم رمز الطهر والورع خلفيةً درامية لنسج علاقة آثمة؟ أليس في هذا استفزازٌ فجّ لمشاعر ملايين المؤمنين؟
الإساءة هنا مزدوجة: إساءة للمكان وإساءة للاسم.
“حمدية” هو اللفظ العراقي لاسم “حميدة”، وهو اسم يرتبط في الوجدان الشيعي بالسيدة حميدة المصفاة عليها السلام، زوجة الإمام جعفر الصادق عليه السلام وأم الإمام موسى الكاظم عليه السلام. و“مهدي” ليس اسمًا عابرًا في الثقافة الشيعية، بل هو الاسم الصريح للإمام الغائب المهدي المنتظر عجل الله فرجه. حين تُجمع هذه الرموز في حبكة تقوم على الفاحشة، فإن الأمر لا يُقرأ عفويةً فنية، بل يُفهم تعمّدًا في خلط المقدّس بالمدنّس.
ثم يأتي من يلوم الشيعة لأنهم يعترضون!
أي منطق هذا الذي يحترم حساسية الشعوب الأخرى، ويطالب المكوّن الأكبر في العراق بابتلاع الإهانة بصمت؟ لماذا تُعدّ الغيرة على الرموز الدينية “تشدّدًا” حين تصدر من شيعي عراقي، بينما تُسمّى “حفاظًا على الهوية” حين تصدر من غيره؟
لسنا ضد الفن، ولسنا دعاة رقابة عمياء، لكننا ضد تحويل المقدسات إلى أدوات إثارة رخيصة. الفن الذي يقوم على صدمة المشاعر الدينية ليس فنًا شجاعًا، بل استسهالٌ واستفزاز. ومن حق الشيعة عامة، وأبناء الجنوب خاصة، أن يرفضوا أعمالًا تُسيء إلى أسمائهم المقدسة وأماكنهم المطهّرة تحت غطاء الدراما.
الاحترام متبادل، أو لا يكون.
ومن يعبث بالمقدّس، عليه أن يتحمّل غضب أهله.
ضياء ابو معارج الدراجي