المفاوضات الإيرانية، نعيم الخفاجي
نتابع التقارير والأخبار الإعلامية العاجلة، حول المفاوضات الجارية مابين إيران وامريكا، بوساطة عُمانية للوصول إلى تفاهم حول البرنامج النووي الإيراني، يفترض في الكاتب والصحفي أن يحلل بطريقة علمية ومنطقية وليس بطريقة انتقائية، بعلم المنطق الكلام مبني على استقراء الواقع السياسي استقراءً بشكل معمق، بعيدا عن الانتقاء، وقد حدد علماء المنطق أن يكون الكلام، فيه مقدمة كبرى ومقدمة صغرى متلازمتان بشكل جيد، إذا كانت المقدمات جيدة تكون النتائج جيدة، وإذا كانت المقدمات مبنية على الكذب وعلى التدليس اكيد تكون النتائج غير صحيحة.
يوميا نقرأ آلاف المقالات، لكتاب وصحفيين تتقدم أسمائهم حروف مختلفة، للدالة انهم أصحاب شهادات عالية، لكن غالبية تحليلاتهم مبنية على الوهم والكذب، معظم ما يكتب بالإعلام العربي بغالبيته، ورغم نشر المقالات بصحف مهمة ويقرأها ملايين من المعجبين، لكن غالبية الكتابات للأسف، لا هي علمية ولا هي منطقية، وانما في معظمها مبنية على استقراء انتقائي، مقدمات سيئة متأثرة في لوثات طائفية ودينية وقومية، لذلك معظم الكتابات نتائجها بعيدة كل البعد عن المصداقية.
الغالبية الساحقة من المحللين بالدول العربية، لديهم قابلية ممتازة في تصوير أحداث لم تقع، يضعون افتراضيات منها اذا تقدمت المفاوضات بسرعة وتوصلت إيران وامريكا إلى صفقة، أحد هؤلاء المحللين يقول( إذا تم التوصل مابين إيران وأمريكا إلى اتفاق في إنهاء البرنامج النووي العسكري، وتقليص حقيقي للبرنامج الصاروخي الباليستي، وفك الارتباط بالأذرع الخارجية في لبنان واليمن والعراق، والتوقف تماماً عن التدخل في شؤون الجوار مقابل رفع شامل ومستدام للعقوبات الأميركية، فإننا نكون أمام لحظة مفصلية في تاريخ إيران الحديث، وربما في تاريخ الإقليم كله. إلا أن ذلك في الغالب لن يحدث، وإن حدث فهو يعني بدء العد التنازلي لسقوط النظام الإيراني القائم).
يقول( هذا الاتفاق يسبب سقوط النظام في إيران لأن الاتفاق يتناقض مع أهداف الثورة الاسلامية الإيرانية التي قادها آية الله الخميني عام 1979 سنّت إيران مشروع “الدولة الثورة”، وإن حدث تنازل فهو انقلاب على الدستور وعلى تصدير الثورة التي بنى عليها النظام مشروعيتها القائمة على الصراع الدائم مع الخارج، وفقد سرديته إذ تحوّل هذا الصراع إلى أداة تعبئة داخلية….).
ماتحدث به هذا الكاتب الذي يتقدم اسمه استاذ بالجامعة الفلانية متخصص في علم الاجتماع السياسي، العجيب هذا المحلل، مواطن بدول تفتقر لابسط مقومات الديمقراطية والعدالة الاجتماعية والمساواة، ولم يكون للصندوق الانتخابي في بلده وإن وجد اي تأثير على انتخاب رئيس حكومة ولا رئيس برلمان ……الخ.
انا شخصيا افكر خارج القوالب الموضوعة في الكتابة بالشؤون السياسية، ورغم أن القوى السياسية العراقية ومنها الشيعية يريدون مني أكتب وافكر ضمن القوالب التي هم يريدونها، لذلك أكثر من ٩٥% من كتابات الكتاب والصحفيين العرب سواء كانوا علمانيين او يساريين واسلاميين سنة وشيعة، أو كتاب تابعين للدول العربية يكتبون ضمن قوالب محددة، هذا الكاتب يعلم علم اليقين أن الفكر الشيعي مبني على تحكيم العقل والمنطق، ورفض استخدام أسلحة دمار شامل لضرب تجمعات مدنية، كلام هذا الكاتب المتطرف مذهبيا، ذكرني بحوار دار بيني وبين رفيق قديم مضى إلى سبيل ربه، بعد سقوط نظام صدام بعدة شهور، كان يتحدث بطريقة جنونية، يتهجم على المرحوم السيد عبدالعزيز الحكيم رحمه الله، قلت له لماذا تتهجم عليه، قال يا اخي اكون معك صريح، هذا إسلامي ويفكر بعقل، قلت له وما الضير من ذلك؟ قال لي اكون معك صريح اريد الإسلاميين وخاصة الشيعة عبارة عن ناس حمير لايفكرون بعقولهم حتى تحرقهم أمريكا، وتحرق بطريقها القوى الوهابية ونحن نحكم ونقيم الديمقراطية …….الخ.
المنطق والعقل يقول إن إيران جزء من الأمة الإسلامية، الشيعية جزء صغير من الأمة العربية والاسلامية، الجزء من الكل، والكل ليس من الجزء، يمكن إلى إيران والشيعة بما فيهم انهم جزء من الكل، ببساطة يعلنون اصل الصراع هو عربي سني مع بني صهيون، مجرد الجزء وهي إيران والشيعة ترك أمور الكُل إلى الكُل، عندها تتجاوز إيران كل هذه المشاكل، جلوس الوفد الإيراني بالتفاوض يعني الرغبة في إيجاد حل سلمي، كتب الرئيس الأمريكي باراك أوباما مقال صحفي بعد توقيع الاتفاق النووي مع إيران اننا نتحاور مع ناس مسلمين اسلامهم يرفض القتل ويفضل المكاسب على الخسائر، كلمة باراك أوباما بوقتها كتب عنها غالبية الكتاب المعروفين في المملكة العربية السعودية والقوا ذلك على جرائم تنظيم القاعدة وداعش التي جعلت باراك أوباما يشيد بالاسلام الشيعي الرافض لقتل الأطفال والنساء.
اي اتفاق ما بين إيران وأمريكا يعني رفع العقوبات سيعيد النفط والغاز الإيراني إلى الأسواق، وسيحرر النظام المصرفي، ويجذب استثمارات غربية وآسيوية تنتظر هذه اللحظة التاربخية.
للأسف الكتاب والصحفيين العرب وبسبب الموروث الطائفي يسمون المكون الشيعي العراقي في اذرع ايران، شيء يثير القرف والاشمئزاز، شيعة لبنان مكون ضمن الدولة اللبنانية، هذه الأساليب الهجومية على الشيعة بالعراق ووصفهم بـ أذرع إيران يفترض الحكومة العراقية بالقليل تصدر الخارجية العراقية بيانات تنديد بحق هؤلاء الكتاب وإرسال بيانات إلى دولهم.
لنكون صريحين لايمكن إلى كتاب دول الخليج بشكل خاص، كتابة اي مقال يسيء إلى الدول الاخرى، إلا بضوء أخضر من المسؤولين على وزارات الإعلام بدولهم.
بالحقيقة غالبية الكتاب والصحفيين العرب مصابين في مخلفات الصراعات المذهبية والدينية والقومية، فقدت غالبيتهم الانسانية، شيء طبيعي تعدد الأديان والمذاهب والقوميات، هذه هي طبيعة البشرية، مصيبة الطائفي انه لا يرى انه ايضا يكفر الأخر وينتقص من مقدساته وعقائده، الكثير من هؤلاء لا يفكر ولو لحظة أن هذا الخلاف قديم جداً ولايمكن ان يتم انهائه بشكل سريع وبطريقة كن فيكن، في عالمنا العربي والإسلامي والهندوسي لدينا دول عربية واسلامية وهندية هندوسية تضم شيعة وعلويين وسنة واباضية وملحدين ومسيحين ودروز ولادينيين، وصابئة، وهندوس وسيخ وكاكائيين وعلينا كبشر أن نقبل بهذا التنوع وترك قضايا الخلافات المذهبية والدينية والقومية، لنفكر كيف نعيش برفاهية وكرامة.
كتب ابن عمي الدكتور رحيم مال الله الخشيمي الخفاجي تعليق بغاية الأهمية هذا نصه( احترام معتقد الآخر لا يعني التنازل عن القناعات، بل يعني الإيمان بأن كرامة الإنسان وحقوقه لا تُختزل في طائفته. الأوطان تُبنى بالتعايش وسيادة القانون، لا بتغذية الانقسام).
في الختام انا اكتب وفق المنطق والعقل والربح لا الخسارة، التفكير بالواقع وليس بالخيال، العراق وسوريا يعانون من صراعات قومية ومذهبية مستدامة، إنكار هذه الخلافات هروب من الاعتراف بالحقيقة المؤلمة، اقولها وبصراحة لو كان هناك اقاليم متعددة، اقسم بالرب العظيم تخيلوا معي لو يوجد إقليم بالانبار وتكريت ورئيس الاقليم مشعان الجبوري والله يقوم بنتف شوارب فلول البعث وهابي، ولما سالت كل هذه الدماء، ولا رأينا القاعدة وداعش، لكن أصحاب القرار يبكون على حدود اتفاقية سايكس بيكو المقدسة وهي نجسة نجست الشعوب وجعلتهم شذر مذر يقتل بعضهم البعض الآخر، دون أي وازع أخلاقي وانساني مع خالص التحية والتقدير.
نعيم عاتي الخفاجي
كاتب وصحفي عراقي مستقل.
18/2/2026