نقد الفكر الديني

نقد الفكر الديني
قلم (كامل سلمان )
لايوجد دين أو مذهب لم يتعرض للنقد سواء أكان النقد من الديانات الأخرى أو من اللادينيين أو من أعداء الدين لكن هناك حقيقة غامضة وهو أن النقد للدين أو للمذهب يزداد حدة عندما يكون الدين له تأثير سلبي على حركة الحياة من خلال تحكم رجال الدين بالسلطة ، فمثلاً الكنيسة في أوربا كانت تتعرض للنقد الشديد خلال القرون الوسطى بسبب سلطتها القاسية على المجتمع الأوربي فعندما تم تحييد الكنيسة عن السلطة والدولة بدأ النقد يخف تدريجياً حتى وصل الأمر أن يأتي المديح للكنيسة من نفس الجهات التي كانت بالأمس تنتقده وهذا دليل على أن الكنيسة أخذت مكانها الصحيح بعدما ابتعدت عن مسؤولية الدولة لأن الدولة ليست لرجال الدين إنما الدولة لرجال العلم والسياسة والإدارة ، لم يحارب أحداً الكنيسة بعد ابتعادها عن الدولة ولم يطارد أحداً رجال الدين ولم يلغوا الديانة المسيحية فعادت الديانة المسيحية معززة مقدرة في نفوس الناس وأمام القانون بمجرد أن تحركت من الموقع الضار إلى الموقع النافع ( الدين في السلطة مضرة وخارج السلطة منفعة ) وقد جرب رجال الدين أنفسهم لمئات السنين ولم يفلحوا أبداً في كل الديانات من أن يؤسسوا نظاماً عادلاً نزيهاً يخدم المجتمع أي عكس ما يدعون ، الحال ينطبق على الديانة الإسلامية كانت تتعرض للنقد الحاد أبان السلطنة العثمانية التي كانت تدعي بأنها تطبق حكم الشريعة فكانت مرحلة زمنية مظلمة بكل معنى الظلام لكن بأنهيار الدولة العثمانية وظهور الدولة المدنية في جميع اطراف العالم الإسلامي بدأ العد التنازلي لنقد الدين الإسلامي يخف تدريجياً ثم بدأ العكس هو أن القادة العلمانيين والمفكرين الذين انتقدوا الإسلام بالأمس عادوا ليستشهدوا في أحاديثهم بالقرآن الكريم واحاديث ومقولات السلف الصالح فأصبح الدين عزيزاً من جديد لأن الدين مهما يكن فهو جزءاً من تراث الأمم ، بزوال السلطنة العثمانية لم ينتهي الدين بل عاد معززاً مقدراً في نفوس الناس وأصبح مصدراً مهماً من نشاطات المجتمع الذي يعتقد بهذا الدين ، هذه العودة الميمونة للدين في نفوس المثقفين والعقلاء والعلمانيين جاءت بعد أن تنحى رجال الدين جانباً عن السلطة . مثال آخر يمس واقعنا وهو عن الفكر الشيعي ، طوال القرون الماضية كان الناس يتعاطفون بشدة مع الفكر الشيعي على أعتبار أنه يمثل المظلومية ويمثل الطبقات المسحوقة ويمثل المشاعر الإنسانية النقية ورفض الظلم ، فلم نسمع يوماً نقداً مؤلماً للفكر الشيعي بل العكس كان التراث الشيعي وخاصة في عاشوراء يمثل لحظات من العواطف الجميلة التي ينتظرها غالبية المسلمين شيعة وسنة وحتى من غير المسلمين كل عام لكن عندما قرر بعض اتباع الفكر الشيعي الهيمنة على السلطة بدأت الحروب والمعاناة والفتن ، ثم ظهرت موجات النقد ضد الفكر الشيعي وعمت الكراهية ارجاء العالم الإسلامي ، كل هذه التوترات حتماً ستزول مع ابتعاد تلك الفئة من رجالات الفكر الشيعي عن الحكم ، بعض الديانات والمعتقدات لا أحد يذكرها سلباً أو إيجاباً لأنها بعيدة عن السلطة والتأثير لكن بمجرد أن تفكر بالسلطة ستخرج اليها سهام النقد من كل حدب وصوب . . لم يكن أحداً يعير الاهتمام للطائفة العلوية في سوريا منذ أن وجدت بل أن الكثيرين لا يعرفون شيئاً عنها إلا أن صعود رجال الطائفة إلى السلطة واستخدام طائفتهم لبسط النفوذ وضعت الطائفة العلوية في المكان الخطأ فما يدفعه أبناء الطائفة من دماء أبناءها اليوم هو ثمن الخطأ الذي ارتكبوه في بحثهم عن السلطة .. كل هذه التجارب تعطينا دليلاً واضحاً بأن وجود الدين في السلطة كارثة على الدين وعلى أتباع الدين وعلى المجتمع فليس من العقل أن نرى كل هذه التجارب ونتجاهلها . نحن نعلم بأن طبقات المحرومين والفقراء الذين هم غالبية المجتمعات الدينية وهم المتدينون بلا مصلحة ، هؤلاء يلهثون وراء لقمة العيش ولا يعرفون الشيء الكثير عن دينهم ومذهبهم إلا ما يتم استذكاره في المناسبات الدينية هكذا عاش الناس طوال القرون الماضية فلماذا ندخل هؤلاء المساكين المظلومين بحروب طاحنة بأسم الدين أو المذهب ليزيد من عذاباتهم تحت ذريعة إقامة حكم الله ، وبعدها حروب غير منتهية ، في الوقت الذي يستطيع الناس كافة العيش سوية وكل له دينه ، ولكي نتيقن أكثر بصحة القول بأن الناس يستطيعون العيش سوية دون قتل وذبح بأسم المعتقد الديني أو المذهبي نستشهد بالواقع ولنذهب إلى الدول العلمانية الغربية تلك الدول التي أبعدت الدين عن الدولة سنجد المسيحي واللا ديني والمسلم واليهودي والبوذي والهندوسي والشيعي والسني وغيرهم كلهم أخوة متحابين متعاونين يعملون سوية من أجل مستقبلهم ومستقبل أبنائهم وبلدانهم بلا خوف ولا كراهية لأنهم جميعاً يطبقون مبدأ لكم دينكم ولي ديني ، يحترمون القانون ويحترمون النظام ولا أحد فيهم يفكر بإقامة حكم الله ، فهؤلاء مكرمون ولا يشعرون بالأحقاد ولا يشعرون بالتمييز ولا بأي شيء غير طبيعي . فهم بشر يريدون العيش بسلام وأمان ، والأمان يتوفر فقط في أبعاد الدين عن الدولة وهذه أصبحت بديهية من العيب تكرار ذكرها حتى الطفل فهمها . انظروا إلى دول العالم كيف فهموها وعاشوا بسلام وأمان انظروا إلى دول الخليج إلى مصر إلى تركيا إلى السعودية كلهم فهموها فغادروا هذه العقدة أن تكون السلطة للدين ، فلماذا يتم جلب السوء إلى الدين والمذهب وكلنا على دراية بأن نهاية المطاف شئنا أم أبينا سنكون جزءاً لا يتجزأ من المجتمع البشري الذي عزل الديني عن الدولة ، فلماذا نرضى لأنفسنا كل ما موجود عند المجتمعات التي فصلت الدين عن الدولة ونمتدح تلك المجتمعات ونثني على جمالية نظام الحكم والعدالة عندهم ثم نعمل بالضد ونحاول فصل أنفسنا عن تلك المجتمعات ؟ للتذكير قوانين وشرائع الأمم اليوم حول حرية الإنسان وحقوق الإنسان وحرية المعتقد كلها تتقاطع مع قوانين وشرائع الأديان فلا سبيل أمامنا أما الإصرار على إقامة الأنظمة الدينية التي لابد أن تقف بالضد من قوانين وشرائع الأمم أو نعزل الدين عن الدولة حفاظاً على الدين وحفاظاً على كرامة من يؤمن بالدين . من هنا تبدأ الحاجة إلى النظام المدني العلماني الذي يحقق هدف الإنسان الأسمى في الحياة .