ابنُ الربيع الذي ضاق بالأرض

رياض سعد

ابنُ الربيع الذي ضاق بالأرض

وُلد في الربيع، فحسب أن الحياة وعدٌ أخضر، وأن العالم شرفةٌ مفتوحة على الضوء… ؛  منذ صرخته الأولى، كانت الريح تمشط شعيرات رأسه برفق، وكانت الشمس تضع على جبينه قبلةً ذهبية، كأنها توقّع عقدًا سريًّا بينه وبين الجمال… ؛  لذلك شبَّ وهو يطارد الألوان كما تُطارَد الفراشات، ويصغي إلى خفقة الظلال على الجدران، ويقرأ في وجوه الناس خرائط القبح والجلال والجمال  … ؛ كان يرى العالم كلوحةٍ معلّقة بين إصبعين من نور، ويتعامل مع الجمال كما يتعامل الناس مع الهواء؛ حاجةً يومية لا يُستغنى عنها …

وُلِدَ في الربيع، فكانت روحُهُ نسيجًا من ضوءٍ وندىً وعطر… ؛ لم يكن الربيعُ فصلَ ميلادِه فحسب، بل صار جوهرَهُ الدافقَ في شرايينِه، ومرآةَ روحِهِ التي ترى الجمالَ في كلِّ ذرّةٍ من هذا الكون…

كانت أمّه تذكر الأمر دائمًا، وتقول : إن وجهه يوم وُلد كان هادئًا على غير عادة الأطفال، كأنه لم يصرخ احتجاجًا، بل صمت دهشة واعجابا   …  

كبر في حيٍّ مكتظ، حيث الشوارع ضيقة، والغبار لا يهدأ… ؛ لم يكن يختلف كثيرًا عن أقرانه، إلا في شيء واحد: صدره .

كان يتعب بسرعة، يلهث بعد جريٍ قصير، ويجلس جانبًا بينما يواصل الآخرون اللعب

ثم تشرب فلسفة الجمال حتى صار خبيرًا في الجمال وفلسفته… ؛  يعرف القبح من النظرة الأولى؛ لأن الأشياء، كما كان يردد، تُعرَف بأضدادها… ؛ والنورُ لا يُدرَك إلا بالظلمةِ التي تسبقُه … ؛ و كان يلتقط نشاز الروح كما يلتقط العازف نغمةً شاردة… ؛  ويميّز العطر من مسافة، ويهتدي إلى النسمة الطيبة كما يهتدي الغريب إلى بيته الأول… ؛وكان يتحسس من الغبار كما لو أنه شوكةٌ في رئة السماء… ؛ اذ يضيق صدره، ويضطرب إيقاع أنفاسه، كأن رئتَيه عصفوران صغيران حُبسا في قفصٍ من دخان…

نعم ؛ كانت أنفاسُهُ مرهفةً كأوتارِ عودٍ، تتألمُ من أدنى شائبةٍ في الهواء… ؛ و حساسيتُهُ للغبارِ والاتربة والدخان  كانت كحساسيةِ المرآةِ للخدش، وكانت أنفُهُ تميزُ الروائحَ الزكيةَ من مسافاتٍ بعيدةٍ، كأنها تبغي الوصولَ إلى زمنٍ أولٍ لم يُلوَّثْ بعد…

ولم يكن يكتفي برؤية الألوان، بل كان يُصغي إليها … ؛ الأزرق عنده صلاة، والأخضر وعد، والأبيض هدنة قصيرة بين حربين …

لكنَّ القَدَرَ – ساخرًا أم منتقمًا؟! – زرعَ في صدرِهِ منذ الطفولةِ بذرةَ الربو، فصارت رئتاهُ تُقاتلانِ الهواءَ قبلَ أن يستقرَّ فيهما، وكان الأوكسجينُ الذي يهبُ الحياةَ لغيرِه    يمرُّ في جسدِهِ كأنه يطلبُ الإذنَ بالدخول…؛  فصار الهواء، الذي هو حقٌّ فطريٌّ لكل كائن، امتحانًا يوميًّا له… ؛ و كأن صدره قفصًا لطائرٍ مذعور، يخبط بجناحيه حين يشتد الغبار، ويضيق حتى يكاد ينسى معنى الشهيق… ؛  هكذا تعلّم أن النفس ليس مجرد حركة فيزيائية، بل نعمةٌ تتخفّى في التفاصيل اليومية والانواء المناخية والتحولات البيئية .

نعم , كان يرى الناس يتنفسون كما لو أنهم يملكون حقًّا بديهيًّا في الحياة، بينما كان هو يفاوض الهواء على هدنة قصيرة… ؛ فكل شهيقٍ معركة، وكل زفيرٍ نجاة مؤقتة   ؛  لم يكن يطلب الكثير؛ مجرد نسمةٍ صافية، لا تشوبها عوادم السيارات، ولا تخنقها أدخنة المولدات، ولا تُثقِلها روائح القمامة ومياه المجاري الراكدة …

لم يكتشف قاسم أنه مريض بالربو في عيادة الطبيب، بل في صباح يوم ميلاده السابع، حين انفجرت بالونته الحمراء… ؛  البالونة التي نفخها بنفسه وهو فاغر العينين، انكمشت فجأة أمام وجهه، بينما أحسّ بقبضة باردة تعتصر شيئاً في صدره… ؛  ركض إلى أمه في المطبخ، لا ليخبرها عن البالونة، بل ليسألها بصوت متقطع: ماما… لماذا الهواء يضيق في صدري , لماذا الهواء يقل وينقص في رئتي يا ماما … ؟!

وقد قال له الطبيب في العيادة  :

لديك ربو، وعليك أن تتجنب الغبار

لم يضحك ولم يحزن  … ؛  فقط نظر إلى الشارع خارج العيادة، حيث كانت السيارات العتيقة  تمرّ وتخلّف وراءها سحابة رمادية خانقة، وقال في نفسه :

“وكيف؟!”

كبر قاسم، وكبر معه السؤال… ؛ لم يكن صبياً عادياً، هذا ما لاحظه الجميع… ؛  كان يرى ما لا يراه أقرانه …

ثم مع السنوات، صار يعرف جسده جيدًا… ؛  يعرف متى تضيق أنفاسه، ومتى يسبق السعال النوبة، ومتى ينبغي أن يتوقف …

لكنه تعلّم أيضًا شيئًا آخر :أن الأماكن تختلف باختلاف الناس . 

في المدرسة، تعلّم أن يراقب أكثر من أن يشارك… ؛  كان ينظر من النافذة أكثر مما ينظر إلى السبورة… ؛  الأشجار البعيدة، القليلة، كانت تشدّه… ؛  لا يعرف لماذا، لكنه كان يشعر أن هناك شيئًا يخصّه في ذلك الاخضرار البعيد .

في حصة الرسم، بينما كان التلاميذ يشخبطون بيوتاً وشمساً صفراء، كان هو يخلط الألوان ليصنع “لون الظل على العشب وقت الأصيل”… ؛ و قالت له المعلمة مرة: “أنت تبذّر الألوان”… ؛  فأجابها: أنا أبحث عن لون الهواء يا ست …  

كانت هذه الحساسية نعمة ونقمة في آن واحد… ؛  في طريقه من المدرسة، كان يغلق أنفاسه عندما تمر شاحنة قديمة، لا خوفاً من الغبار، بل اشمئزازاً من “رائحة العادم”، التي كان يقول عنها :  إنها “رائحة الأشياء وهي تموت”.

أصدقاؤه اعتادوا جنونه… ؛  كانوا يضحكون فيما بينهم , وهم يقولون : “قاسم شمّام، يشم الهواء قبل أن يبلعه”… ؛  أما هو فكان يشعر بغصة… ؛  كيف يشرح لهم أن الهواء ليس شيئاً واحداً، وأن هناك هواءً ثقيلاً كالصوف، وآخر خفيفاً كالحرير؟

نعم لم يكتفِ القدر بذلك، بل ألقى به في مدينةٍ خربة منهكة  تئن تحت وطأة الاهمال … ؛ مدينةٍ تشبه جرحًا مفتوحًا لا يجد من يضمده ، تتنفس تعبها كما يتنفس هو ألمه… ؛  مدينةٌ تتراكم فيها القمامة كذكرياتٍ فاسدة، وتطفح مجاريها كما تطفح الحسرات في القلوب، ويغمر سماءها دخان المولدات وعوادم السيارات، حتى يصير النهار رماديًّا، والليل أثقل من أن يُحتمل… , كانت شوارعُها مختنقةً بغازاتِ السياراتِ، وهواءُها يحملُ جثثَ الأوكسجينِ المذبوح … ؛ كان يشعر أن المدينة زنزانةٌ صغيرة، نتنة ؛ ذات جدرانٍ من ضجيج، وسقفٍ من سخام… ؛  كل شيء فيها يختبر رئتَيه، ويستفز حساسيته، ويستدرج نوبات اختناقه , وأنه محكومٌ فيها بالسعال المؤبّد… ؛ لا يطلُّ منها على الدنيا إلا من خلالِ ثقبٍ صغيرٍ يرى منه – بين الفينةِ والفينةِ – صورًا لمدنٍ بعيدةٍ ذاتِ طبيعةٍ خلابةٍ، حيثُ الهواءُ نقِيٌّ كأنه قُبلةُ ملاك …  

في أول رحلة له خارج مدينته، كان في السابعة عشرة… ؛  سافر مع صديق إلى منطقة ريفية قريبة… ؛  لم يكن المكان مدهشًا جدًا، مجرد مروج  خضراء وبعض الأشجار، لكن ما حدث له كان مختلفًا … ؛ تنفس بعمق ومن دون ألم … .

بقي صامتًا لدقائق، ثم قال لصديقه :

 هل الهواء هنا أخفّ؟

ضحك الصديق :

الهواء هو الهواء

لكن قاسم لم يقتنع… ؛  كان يشعر أن صدره اتّسع، كما لو أن شيئًا كان مغلقًا فيه وانفتح فجأة … .

منذ ذلك اليوم، صار يقيس الأماكن بقدر ما تمنحه من نفس عميق وهواء نقي …

عاد إلى مدينته، فعادت معه الأزمة ورجعت اليه نوبات الربو …

نعم , لم يكن يجد نفسه إلا حين يسافر إلى مدنٍ ذات طبيعةٍ خلابة وهواءٍ نقي، حيث الأشجار تُصلّي واقفة، والأنهار تُسبّح همسًا، والسماء قريبةٌ بحيث يمكن لمسها بطرف الروح… ؛  هناك فقط كان صدره يتّسع، كأن ضلوعه نوافذ تُفتح دفعةً واحدة…

 غير أن السفر لم يكن طوع يده؛ فهو لا يرحل إلا إذا تحسّن حاله المادي وجاءه رزقٌ فائضٌ عن حاجته، وذلك لا يحدث إلا على فتراتٍ متباعدة، كأن الفرح نفسه موظفٌ يتأخر عن دوامه…؛ فإذا تحسّن وضعه المادي قليلًا ؛  شدّ رحاله إلى مدنٍ تتوضأ بالأنهار، أو إلى جبالٍ تغتسل بالضباب الذي يغمر المكان … ؛هناك، فقط، كان يمشي منتصبًا، كأن عموده الفقري يستعيد ذاكرته القديمة… ؛  هناك، يتنفس بعمق، فيشعر أن صدره يتّسع للعالم، لا أن العالم يضيق عليه…؛ وفي كلِّ مرةٍ كان يعودُ إلى مدينتِه، كان يحملُ في رئتيهِ ذكرى هواءٍ نقيٍّ يتلاشى شيئًا فشيئًا حتى يتحولَ إلى سراب… 

نعم كان  يسافر… ؛  ليس حباً في السياحة، بل هرباً من الموت اختناقاً… ؛  كان يدّخر من راتبه الضئيل ستة أشهر، ليحصل على أسبوع واحد في بلدة جبلية بعيدة… ؛  هناك، كان يُشفى… ؛  ليس تماماً من الربو، لكن من خوفه من الهواء الملوث…  

وفي احدى السفرات , كان يمشي وحيداً بين أشجار الصنوبر، ويستمع إلى الصمت… ؛  هناك، تذكر حادثة البالونة الحمراء… ؛  أدرك أن المشكلة لم تكن يوماً في رئتيه، بل في أن روحه بالونة تريد أن تمتلئ، والمدينة إبرة حادة لا تفعل شيئاً سوى أن تثقب كل ما هو جميل في روحه  … .

لكن الحرب الحقيقية بدأت لاحقاً… ؛ اذ لم يعد العدو مجرد عادم شاحنة عابرة، بل صارت المدينة كلها خصماً عنيداً… ؛  حين تخرج من الجامعة، وتعين موظفاً صغيراً في بلدية تلك المدينة، اكتشف أن هناك نوعاً من التلوث لا تستطيع معرفته حتى حاسة الشم الخارقة… ؛ انه تلوث الروتين , تلوث الإهمال ,  أكوام القمامة في الأزقة الخلفية صارت كالمرايا، تعكس شيئاً متعفناً في روح المكان… ؛  كان يشعر أن صدره يضيق تدريجياً، ليس فقط بسبب الغبار، بل بفعل العجز… ؛  عجز رآه في عيون الجيران الذين ألفوا الرائحة الكريهة حتى توقفت أنوفهم عن الاعتراض ...

وفي أحد الأيام، ضربت المدينة عاصفة ترابية خانقة… , و اشتدّ الغبار حتى صار الهواء عجينًا ثقيلاً… ؛ وامتزج الغبار بعوادم مئات المولدات الكهربائية والاف المحركات الصغيرة والكبيرة للسيارات والاليات التي تئن كالثيران الجريحة…  ، وتكاثفت السماء كأنها تُطبِق على صدره… ؛اختنق، وضاق صدره ,وسعل حتى احمرّ وجهه، وضاق ذرعًا بمدينته وبجسده معًا …, وأحسّ أن المدينة تغلق عليه بابها الأخير…  ؛

  أغلق قاسم النوافذ بسرعة ، وبلّل قطعة قماش ووضعها على أنفه ,  لكن الغبار كان يتسلل من كل شق …

جلس قاسم على الكرسي، يحاول أن يضبط أنفاسه …

شهيق قصير …

زفير متقطع…

امتدت يده نحو البخاخ، لكنه تأخر لحظة، وكأن بينه وبينه مسافة … ؛ فوجده فارغاً… ؛  تذكر أنه نوى شراء واحد جديد ، لكنه نسي

ازدادت حدة السعال ...

انحنى جسده، وراح صدره يصدر صفيرًا خافتًا

في تلك اللحظة، لم يفكر في شيء كبير… ؛  لا في الجمال، ولا في الفلسفة …

فقط فكرة واحدة : أراد أن يتنفس بعمق .

بعد أن هدأت النوبة قليلًا، نهض من الكرسي و استلقى منهكًا …

اذ جلس على حافة سريره كجنديٍّ مهزوم، ثم آوى إلى فراشه مثقلًا بالكآبة وترك جسده لليل، لعل النوم يحنو عليه بما بخل به النهار …

وبينما كان يغرقُ في بحرِ التعب، زارَهُ الحلمُ… ؛ رأى نفسَهُ يمشي في مروجٍ خضراءَ لا متناهيةٍ … ؛ كأن الأرض بساطٌ من زمرد , والهواءُ حولَهُ عذبٌ نقيٌّ كأنه أريجُ القداحِ في الجنةِ الأولى…؛ صافٍ كأنه لم يُمسّ بيد بشر… ؛ كان يتنفس بلا ألم، بلا صفيرٍ في صدره، بلا خوفٍ من نوبةٍ مفاجئة…؛ و كان يمشي بقوةٍ وانتصابٍ لم يعهدْه من قبل، جسدُهُ الذي كان دائمَ الانحناءِ تحتَ وطأةِ المرضِ صار منتصبًا كالنخلةِ في واحةِ الأمل… ؛ ضحك، فضحكت الحقول معه، وشعر أنه أخيرًا يملك الهواء كما يملك اسمه… ؛كان يبتسمُ ويبكي في آنٍ، فرحًا بالهواءِ الذي يدخلُ رئتيهِ دونَ استئذان، وحزنًا على سنينَ عاشها في جحيمِ التلوث الارضي في بلاده …

وفجأةً جاءه صوتٌ من خلفه، رقيقٌ كنسيمٍ مباغت :

   -أتعرفني؟

-أنا الربيع…

التفت قاسم ، ولم يرَ شخصًا، بل رأى لونًا يتكلم، وضوءًا يتجسد ؛ وكيانًا نورانيًّا يتجسدُ في هيئةِ طفلٍ بريءٍ وأبٍ حنونٍ في آن واحد …  

   ارتجف قلب قاسم ثم رد بصوتٍ يختلطُ بالدموع :

نعم…؛ أنا وُلدتُ في الربيع، ومن أجل الربيع…, الحياة التي نشأتُ فيها لا تمثلني، والمدينة التي احتضنتني لم تكن بيئتي الحقيقية… ؛  أنا أنتمي إلى الرياض النضرة، إلى الأجواء العطرة، إلى الهواء الذي لا يخذل صدري ؛  حياتي الحقيقية ليست هناك، في تلك المدينة التي تخنقني… ؛ تلك ليست بيئتي، ليست روحي… ؛ هنا… , هنا فقط أشبه نفسي… ,هنا وطني الأصلي . 

 ابتسم الربيع، وقال :

— كل إنسان يولد مرتين؛ مرةً من رحم أمّه، ومرةً من رحم اختياره… ؛  المدينة ليست قدرك، كما أن المرض ليس تعريفك… ؛  أنت لست رئتَيك المتعبتين، بل شغفك الذي يقاوم العتمة …

سكت قاسم  قليلًا، ثم رفع رأسَه نحو السماءِ التي تتدلى منها أغصانُ الزيتونِ المضيئة، ونادى الملأَ الأعلى الذي لا يُرى… ؛وقال بصوتٍ مبللٍ برجاءٍ  وحرقة :

  أرجوكم…, أتوسلُ إليكم…, دعوني هنا… ,  فإني لا أطيقُ التلوثَ، ولا أحتملُ العودةَ إلى ذلك الجحيمِ المشوه… ,  دعوني أستنشقُ هذا الهواءَ حتى آخرِ حياتي، حتى لو كانت حياتي هنا مجردَ حلمٍ عابر…

ساد صمتٌ مهيب، ثم جاءه الجواب من حيث لا يدري… ؛ اذ فتحتَ السماءُ أبوابَها، ونزلتْ عليهِ نسمةٌ باردةٌ رقيقةٌ همستْ في أذنِه …؛ حتى صار صوته داخل صدره، لا خارجه… :

يا بني، الربيعُ ليس مكانًا، بل حالةٌ وجودية داخلية … ؛  أنت تحملهُ في قلبِك، وفي كلِّ مرةٍ تشتاقُ إليه، سنجعلكَ تزورُه في أحلامِك… ؛  ولكن عليكَ أن تعودَ الآن، فمدينتُك بحاجةٍ إلى من يزرعُ فيها وردةً واحدةً من ربيعِك …

وإن لم تستطع أن تغيّر المدينة، فازرع ربيعك في صدرك… ؛  اجعل من روحك حديقة، ومن بيتك نافذةً للهواء النقي، ومن كلماتك أشجارًا… ؛  ليس الهروب خلاصًا دائمًا، أحيانًا يكون الخلاص أن تصير أنت الربيع…

لو أبقيتُك هنا، ماذا يبقى من رسالتك هناك؟!

 أنت لم تُخلق لتنجو وحدك، بل لتكون نافذة انسانية … ؛  الربيع ليس فصلًا في التقويم، بل موقفًا في القلب… ؛  ازرعه في مدينتك، في حجارتها المتعبة، في هوائها المثقل… ؛  إن لم تستطع أن تغيّر السماء، فغيّر طريقة تنفّسك للحياة…

استيقظ وقلبه يخفق، وصدره ما يزال يئن، و بصعوبة بالغة، و بعد ساعات، حين انقشعت العاصفة، كان قاسم ما يزال على قيد الحياة… ؛  زحف نحو النافذة وفتحها… ؛  ضربه الهواء الحار المحمّل بالأتربة الخفيفة كالكف، فانحنى إلى الوراء… ؛  لكنه في تلك اللحظة الحرجة، سمع صوتاً… ؛  لم يكن وحيًا، ولا حلماً… ؛  كان صوت جارته العجوز، أم ياسين، تنادي ابنها من الشارع… ؛  صوت بشري بسيط، أرجع إليه إحساسه  بالعالم الخارجي… ؛ و أدرك أن أحداً لن ينقذه، وأن عليه أن ينقذ نفسه… ؛  ركّز كل ما تبقى لديه من قوة في شهيق بطيء جداً، يكاد يكون غير مسموع، واستطاع أن يلتقط نفساً … ؛ الغرفة مليئة بطبقة رقيقة من الغبار، لكنه كان يتنفس… ؛  نهض بهدوء، وفتح النوافذ كلها… ؛ دخل الهواء النظيف التالي بعد انجلاء عاصفة الغبار ، هادئاً ورطباً .

نظر إلى الشارع… ؛  كان كل شيء مغطى بالغبار… ؛  السيارات، وأوراق الشجر، ووجوه المارة المتعبة… ؛  ثم رأى شيئاً غريباً… ؛  طفل صغير، ابن الجيران، كان يبلل أصبعه في بركة ماء صغيرة ، ويرسم على الغبار المتراكم على غطاء سيارة… ؛  رسم وردة , مجرد دائرة صغيرة وخطوط .

شيء ما تصالح في قلب قاسم… ؛  لم يعد ذلك الشاب الذي يطارد الجمال في الاماكن البعيدة  ؛  كان مجرد رجل تعب من السعال… ؛  لكنه في الأيام التالية، بدأ يفعل شيئاً صغيراً جداً… ؛  في الصباح الباكر، قبل أن يستيقظ الشارع، كان يخرج بمكنسة صغيرة ويرفع القمامة المتناثرة أمام العمارة… ؛  لم يخبر أحداً، ولم ينادِ بحملة تنظيف … ؛  لم يكن يظن أنه سيغير المدينة… ؛  لكن بينما كان يكنس بهدوء، وجد نفسه يتنفس دون أن يدري… ؛  شهيقاً طويلاً، عميقاً… ؛  ليس هواء الجبل، ولا هواء الحلم، بل هواء مدينته… ؛ هواء لم يعد فيه ما يكفي من الغبار ليخيفه، لأنه ببساطة هو الذي أزاحه.

ولأول مرة منذ زمن طويل، لم يبحث عن رائحة الزيتون في الجبال، بل سمع زقزقة عصفور على سلك الكهرباء أمام شباكه، فقال له بصوت خافت، وهو يبتسم لأول مرة: صحيح… يمكن للمرء أن يزرع الربيع بيديه … .  

نعم , ولم يُشفَ من الربو في لحظةٍ سحرية… ؛لكن شيئًا ما تغيّر فيه… ؛ صار ينظر من نافذته إلى المدينة نفسها، إلى الإسفلت المتشقق، إلى الغبار العالق في الضوء… , فالغبارُ يتساقطُ من النافذةِ المكسورة ؛ ولم تختفِ القمامة، ولم يتبدد الدخان، غير أنه شعر أن الربيع لم يعد وعدًا مؤجلًا في جغرافيا بعيدة، بل بذرةً في داخله …

صار يتنفس ببطء، كما لو أنه يتعلّم الشهيق لأول مرة … ؛ وأدرك أن الهواء قد يُلوَّث خارجًا، لكن القلب إذا امتلأ بالربيع، صار هو الرئةَ الأخرى…

 أدرك قاسم أن الجمال ليس هروبًا دائمًا، بل مقاومةٌ رقيقة… ؛  وأن القبح، مهما علا، يظلُّ ظلًّا ينتظر شمسًا… ؛  ومنذ ذلك الصباح، صار كلما ضاق صدره، يفتح نافذةً صغيرة في قلبه، ويهمس  :أنا ابنُ الربيع… وسأتنفّس، ولو من حلم … .