الغرفة العاجية المعزولة

رياض سعد

كان ينهضُ متأخّرًا كالعادة ، لا لأنّ النوم يغالبه، بل لأنّ الصباح لا يعني له شيئًا…
كان الضوء يتسلّل من شقوق النافذة خيطًا خيطًا، كأنّه يحاول أن ينسج له نهارًا جديدًا، لكنه يصرّ على أن يلبسه النهار نفسه كلَّ يوم…
نعم , كان الضوء يتسلّل إلى غرفته كما يتسلّل اعتذارٌ خافت، فيشيح بوجهه عنه، كأنّه لا يريد أن يمنح النهار فرصةً ليبدأ…
ثم تناول وجبته الواحدة والوحيدة طوال النهار في صمت مطبق ؛ كأنّ المائدة شاهدٌ أخرس على وحدته : كسرةُ خبزٍ، ماعون من الارز واخر من مرق الفاصولياء ( يابسة ) , كوبُ ماءٍ، وشيءٌ من الفراغ يُؤكل معه …؛ كان يأكل ببطءٍ، كأنّه يقتات على الوقت لا على الطعام، ويشرب من الفراغ أكثر ممّا يشرب من الماء… ؛ ثم يبدأ طقسه الأبديّ: ذهابٌ وإيابٌ في الغرفة التي صارت قفصه المألوف، كعقربِ ساعةٍ فقدَ إيمانه بالدقائق، يدور ولا يبلغ رقمًا أخيرًا… ؛ كانت الغرفة تضيق كلما اتسعت أفكاره، وتتّسع كلما ضاقت روحه … ؛ الأرض تحفظ خطاه، والجدران تعرف تنفّسه، والسقف ينحني قليلًا كلّما تنفّس بعمقٍ أكثر… .
ثم ينهمك في القراءة والكتابة، يراكم الكلمات كما يراكم الغيمُ ظلاله قبل المطر… ؛حتى توهّم أن الحروف تخرج من أنفاسه … ؛ثم يكدّس الكلمات كما يكدّس العابرون حجارةً حول نارٍ لا تشتعل … .
يستهلك من أكواب الشاي وفناجين القهوة ما لا يعلمه إلا الله، وما لا تحصيه إلا الساعات التي تثاءبت مللًا من فرط الرتابة … ؛ كأنّه يحاول أن يغلي الزمن في الإبريق، أو يسكب في فنجانه يقظةً تكفي عمرًا بأكمله …؛ تتوالى أكواب الشاي وفناجين القهوة أمامه، تتكاثر كأنّها شهودٌ على يقظةٍ مصطنعة كان يظنّ أنّ الكافيين يمنحه حياةً إضافيّة، بينما كان يسلبه، في الخفاء، ما تبقّى من طمأنينته ؛ يفرط في التفكير حتى يغدو التفكيرُ ذاته قيدًا ؛ بل حتى يغدو العقل متاهةً تلد متاهات لا متناهية … .
يدور حول نفسه، حول فكرةٍ لم تولد، حول جملةٍ لم تكتمل، حول حلمٍ يخاف أن يفتح له النافذة … ؛ينظر إلى العالم من برجه العاجيّ؛برجٍ شُيّد من كتبٍ صفراء، ومسودّاتٍ ممزّقة، وأحلامٍ أُجّلت إلى إشعارٍ آخر… ؛ يرى الناس صغارًا من علٍ، ويرى نفسه أكبر من أن يهبط، وأضعف من أن يطير …؛ وهكذا يستمر في التكوير الزائد على نفسه، واللف والدوران حول ذاته المتورمة كأنها ثقب أسود يبتلع كل ضوء…؛ يدور حول فكرةٍ مؤجّلة، حول مشروعٍ لم يُولد، حول معنىً يتمنّع كلّما اقترب منه… ؛ ينظر إلى العالم من برجه العاجيّ، برجٍ لم يُبنَ من حجرٍ ولا من رخام، بل من خوفٍ متراكم، ومن يقينٍ هشّ بأنّ العزلة أرحم من الخيبة … ؛ يرى الناس يركضون في الأسفل، يضحكون، يتخاصمون، يحبّون، فيبتسم ابتسامةً باهتة، كأنّه يشاهد مسرحيةً لا يريد أن يشارك فيها…؛ ينظر الى الأطفال وهم يركضون وراء طائرة ورقية، على عجوز تبيع حب عين الشمس عند الزاوية، على كل هذه الحياة التي تمر كفيلم صامت لا صوت له ولا لون… .
وحين يبلغ التعبُ ذروته، و تتآكل طاقته … ؛ يسقط فجأةً،لا سقوطَ جسدٍ فحسب، بل سقوطَ فكرةٍ أرهقها الانتظار… ؛ ينهار على وجهه عند الواحدة ظهرًا ؛ كأن النهار لفظه من حساباته وساعاته , وكأن الشمس أطفأت اسمه من دفتر الضوء … .
حتى إذا ما انتهى النهار، وسقط الضوء منهكاً خلف البنايات ، يسقط هو الآخر خاوياً من التعب والإرهاق، منهكاً كستارة مسرح أغلقت على عرض أخير لم يشاهده أحد… ؛ ينام على وجهه في الواحدة ظهراً تارة , وتارة اخرى في الثالثة فجراً، فالوقت عنده مجرد وهم، ساعة بلا عقارب تتدلى من معصم الغياب… ؛ ينام نومًا مثقلًا بأحلامٍ رماديّة … .
يرى نفسه يسير في ممرٍّ طويلٍ من الأبواب المغلقة …
كلّ بابٍ يحمل عنوان يومٍ مضى … , وحين يفتحه لا يجد سوى الغرفة نفسها… ؛والمائدة نفسها … ؛ والكتب نفسها… ؛ والأكواب التي لم تجف بعد … ؛ تتشابه أيّامه حتى تكاد تتطابق … ؛كأنّ الزمن قرّر أن ينسخه نسخًا رديئًة … ؛ لا جديد سوى ازدياد الغبار على رفوفه، والاوراق نفسها … ؛ ولا اختلاف سوى عمق التجاعيد حول عينيه …
الخطوات نفسها التي لا تفضي إلى باب…؛ وهكذا تستمرّ حياته الرتيبة… ؛ أيامٌ تتشابه حتى تذوب الفواصل بينها …
وصباحاتٌ تتراكم فوق بعضها كأوراقٍ لم يُكتب فيها شيئا… ؛ لا جديد سوى مزيدٍ من الغبار على حوافّ البرج … ؛ولا تغيير سوى ازدياد الصمت عمقًا …
وهكذا تستمر حياته الرتيبة، وتنقضي أيامه المتشابهة كخرز مسبحة بالية، لا يوقظه من غفوته إلا همس المرايا الساخر: “متى ستنزل إلى الشارع؟ متى ستعيش؟”
فيجيبها بصمت، ويحتسي كوباً آخر من الشاي، ويمسك بقلمه ليكتب قصة أخرى عن رجل… نهض من فراشه متأخراً كالعادة…
وذات ظهيرة،وفي لحظةٍ خاطفة،بين رشفةِ قهوةٍ ونقطةِ حبرٍ سالت على الورق، ووميض فكرة …؛ توقّف فجأة … ؛ حدّق في الصفحة البيضاء طويلًا … ؛ثم همس لنفسه، بصوتٍ لم يعرفه من قبل :
أما آنَ لهذا البرج العاجي أن يتصدّع قليلًا؟!
لعلّ الحياة لا تتغيّر ؛ لا لأنّ الأيام لا تتبدّل … ؛بل لأنّنا نجرؤ أخيرًا على أن نكون جزءًا منها… ؛ فالوجود ليس ما يحدث لنا … ؛ بل ما نختار أن نفعله … ؛ ومن يعتصم ببرجه خوفا من السقوط … ؛ قد ينجو من الكسر الا انه يخسر المعنى …