التفكير… بين العزلة الانكسار وصراع القطيع

التفكير… بين العزلة الانكسار وصراع القطيع

بقلم. ا. غالب الحبكي.

يقول الفيلسوف الألماني “شوبنهاور”
“أكثر ما يكرهه القطيع هو إنسان يفكر بشكل مختلف؛ إنهم لا يكرهون رأيه في الحقيقة، بل يكرهون جرأة هذا الفرد على امتلاك الشجاعة للتفكير بنفسه ليكون مختلفاً”
بهذه الكلمات، يضعنا “شوبنهاور” أمام حقيقة واقعية صريحة تتجاوز حدود القوالب النمطية، لتكشف عن ماهية الصراع بين “التفكير الحر” و”سيكولوجية القطيع”. هذا القطيع الذي يرى في مهاجمة المفكر والكاتب والمثقف ضرورةً حتمية؛ لأنه تجرأ على إعمال عقله وخرج عن دائرة “المسكوت عنه”، فأضحى بذلك تهديداً وجودياً لمنظومتهم الركينة.
إنهم في جوهر الأمر لا يخشون قوتك الجسدية ولا ما تملكه من مال، وإنما يرتعدون من أن تكون “مرآة الحقيقة” التي تعكس عيوبهم وعوراتهم الفكرية. يخشونك لكي لا ينكشف عجزهم عن الإجابة عما تسأل، وعن مقارعة ما تطرح من رؤى؛ فالخوف الحقيقي الكامن في أعماقهم هو “الخوف من أن يكونوا أحراراً”.
هنا يبدأ صراع القطيع، الذي لا يخشى الأفكار لذاتها بقدر ما يخشى “المواجهة”؛ تلك الشجاعة التي يمتلكها الفرد المختلف وتُشكل في نظرهم خطراً وجودياً وإعلاناً للحرب. إن الجرأة العقلية والاستقلال في الطرح هما الفاضحان لهشاشة القطيع وسقامة فكره وركاكة منطقه.
وأمام هذا العجز، لا يجدون سبيلاً إلا الهروب أو إبراز الكراهية لهذا المختلف، وقد يصل الأمر إلى قطيعته ونبذه؛ فهو الخطر الذي يعرّي الزيف الذي يستميتون في الدفاع عنه داخل أقفاص صدورهم. إن هذا الكره وهذا “الإسقاط” النفسي ليسا في الحقيقة إلا شرارة البدء لـ “الثورة الصامتة”؛ ثورة الفكر الحر الطليق الذي يطرق العقول، ويكسر القيود، ويحطم قوالب القطيع التي تأبى الانعتاق والحرية.