كامل الدلفي
قصة قصيرة – كامل الدلفي
لم تنل مكتبتي وقارها القديم، فقد كبر الأولاد، وتنحَّت عن مكانها المبجَّل لصالح شؤونهم. آثرتُ أن أصفَّ الكتب الثمينة في علب كرتون البيض، وفقًا لتصنيفاتها، دون خلط في المواضيع. فكان للتاريخ ثلاث علب كرتونية بين ركام الورق الذي يئن بأساليبه ورؤاه ومناهجه تحت وطأة العزل القسري.
ذات مساء، دفعتني الرغبة للبحث عن إحدى مشجَّرات النسب لحسم جدال مع متقوِّل بالظن حول مسكنٍ تاريخي لجماعة من العرب. قال إنها حجازية، بينما كانت معرفتي تؤكد عراقيَّتهم. دفعتني رغبة الحسم إلى التفرغ لهذا الشأن، فدخلتُ قبو الكتب على سطح دارنا، وأخذت أنظف طبقات خفيفة من الغبار تراكمت في المدخل وعلى جوانب العلب المليئة بالكتب.
فرزتُ قسم التاريخ المكوَّن من ثلاث علب، وطرحت محتويات العلبة الأولى على سجادة قديمة. كنتُ أعرف عناوين الكتب من النظرة الأولى، بل إن بعضها كنتُ أتبين عنوانه من شكله ومظهره الخارجي، فقد عاشت معي هذه المجموعات الكتبية عقودًا من الزمن، وألفتني كما ألفتها.
طرحت العلبة الثانية بذات الطريقة، بينما لم أقوَ على تفتيش العلبة الكرتونية الثالثة، فقد كانت تمور بالوهج والضجيج، بصهيل الخيول، وأصوات الفيلة، وبعذوبة الرجز ينز فخرًا وكبرياء. تهرَّأ الزمن المقيد بعقارب الساعة، ودفعني في تحولاته إلى زمنٍ حربيٍّ يغمر اللحظات بانتصار هائل على غطرسة ذي فيل عنيد.
تلاشت جوانب القبو، وتحول الفضاء إلى إمتداد مشبع بروح الأرض، ومزدان بتكاثف وعيٍ أصيل. لاحت قبةٌ صفراء متلألئة بعناد رجولي، تزهر على مفارقها علائم أمل بانتزاع الإرادة وكبح جماح الفيلة عن السهل الرسوبي. رؤوسٌ تطيح، ونثارٌ أحمر يتهافت مثل حبَّات ياقوت ثمين، يتوقد وهجًا في عيون حدآن غاضبة لحسم النزال الأسطوري.
قرأتُ على رايةٍ شامخة، ترفرف بأنفةٍ عند باب القبة الصفراء، كلمات:
“يا محمد.. يا محمد”. وكلما اقتربتُ منها، تناهى إلى سمعي، في حمأة الوطيس، نداءٌ حاسم:
“أفسحوا المجال للحفيد ليدخل.”
دخلتُ… أجلسني إلى جانبه، ربَّت على فاهمتي، ونزع الشكوك عن قلبي، ومنحني وعدًا صادقًا بحقيقة الحسم صباح الغد. خرجنا سويًا لملاقاة غدٍ مفعمٍ بالزهو والبسالة. رتَّب في ذاكرتي أجوبةً عراقية لكلّ أسئلتي.
أوصلني الفارس “حنظلة بن ثعلبة العجلي ” إلى حافة الحاضر اليومي. فتحتُ عيني، فإذا بي في دثارٍ وفيرٍ وسط القبو، بين كتبي المطروحة أرضًا. كانت عائلتي قد لحفتني به، إذ رأت ألا تقلق نومي.
هو يوم ذي قار إذن…
والقبة الصفراء تتمخض في سماء ذاكرتي نجمةً واعدة، بإرادة القوة، وسيماء التحول في الضياء الأبدي…