ترميم المؤسسات كيف نتخلص من عدوى الاختيارات الخاطئة

الكاتب حسين شكران العقيلي

​تبدأ قصة انهيار المؤسسات الكبرى عادةً من لحظة صامتة، لحظة يُغفل فيها ميزان الكفاءة لصالح حسابات ضيقة، فيوضع الشخص غير المناسب في (المكان المناسب) ظاهرياً، والقاتل فعلياً. إن هذه الظاهرة ليست مجرد خطأ إداري عابر يمكن تداركه بقرار إقالة، بل هي عدوى بيولوجية تتغلغل في مفاصل الهيكل التنظيمي، حيث يمثل المسؤول غير الكفء (الفيروس) الذي يبدأ بتطويع المحيط ليتناسب مع قدراته المحدودة. وبما أن الفراغ المعرفي والمهاري يولد شعوراً دائماً بالتهديد، فإن أولى ضحايا هذه العدوى هم المبدعون وأصحاب الكفاءات الحقيقية؛ لأن وجودهم يكشف عورة النقص، مما يدفع المسؤول (غير المناسب) إلى إقصائهم واستبدالهم بشخصيات باهتة تدور في فلكه، لتتحول المؤسسة تدريجياً من كيان حيوي إلى بيئة طاردة للعقول.
​تتجلى الأعراض الجانبية لهذا المرض الإداري في صورة “تصلب الشرايين” المؤسسية، حيث تتوقف الأفكار عن التدفق وتتجمد المبادرات عند عتبة مكاتب لا تفهم لغة التطوير. إن الشخص الذي يشغل مكاناً يفوق إمكانياته يميل غريزياً إلى البيروقراطية القاتلة، ويحتمي باللوائح الجامدة هرباً من مواجهة الأسئلة الجوهرية حول الأداء والإنتاجية. وهنا تظهر (متلازمة العجز المكتسب) لدى الموظفين؛ حين يدركون أن المعيار ليس ما تقدمه من قيمة مضافة، بل مدى قدرتك على التماهي مع رؤية قاصرة لمسؤول وُجد في غير محله. هذا التآكل الداخلي لا يقف عند حدود الإحباط النفسي، بل يمتد ليصبح نزيفاً مالياً وزمنياً، حيث تُهدر الموارد في مشاريع عشوائية وقرارات ارتجالية تُتخذ لذر الرماد في العيون وإثبات وجود وهمي لم يقم يوماً على أساس من العلم أو الخبرة.
​إن عملية الترميم الحقيقية تتطلب جراحة استئصالية تبدأ من الأعلى، فلا يمكن إصلاح القواعد بينما القمة تعاني من (هشاشة الكفاءة) يتطلب الأمر شجاعة مؤسسية لإعادة تعريف مفهوم (المكان) ليس كامتياز أو تشريف، بل كمسؤولية تُقاس بمخرجات رقمية ونوعية دقيقة. التخلص من هذه العدوى يستوجب بناء (جهاز مناعة) تنظيمي، يتمثل في مأسسة عمليات الاختيار عبر لجان تقييم مستقلة وعابرة للمصالح الشخصية، تعتمد اختبارات الجدارة والذكاء القيادي والاتزاني الانفعالي قبل الخبرة الفنية المجردة. إن الانفتاح على النقد الداخلي وخلق قنوات اتصال تتجاوز هرمية السلطة المريضة يساهم في كشف بؤر العدوى مبكراً قبل أن تستفحل وتصبح ثقافة عامة يصعب تغييرها.
​في نهاية المطاف، إن ترميم المؤسسة لا يعني مجرد استبدال الوجوه، بل هو رحلة استعادة (الروح المهنية) التي ضاعت في زحام المجاملات والوساطات. إن وضع الشخص المناسب في مكانه هو فعل أخلاقي قبل أن يكون قراراً إدارياً؛ لأنه اعتراف بقيمة العدالة واحترام لعقول المجموع. وبدون هذه الوقفة الصارمة، ستظل المؤسسات تدور في حلقة مفرغة من الفشل، تستهلك طاقتها في ترميم القشور بينما الجوهر ينخر فيه سوس الاختيارات الخاطئة. إن الشفاء يبدأ بكلمة (لا) في وجه المحسوبية، وبكلمة (نعم) مدوية لصاحب الحق والكفاءة، ليصبح المكان مرآة لصاحبه، لا قناعاً يخفي خلفه فراغاً كبيراً.