الشرق الاوسط يشتعل (الحلقة الثانية)
كتب رياض الفرطوسي
في خريطة الشرق الأوسط الجديدة لم تعد الدول وحدها هي التي تحدد مسار الأحداث. خلال العقدين الأخيرين ظهرت قوى محلية استطاعت أن تتحول إلى عناصر مؤثرة في معادلة الصراع. هذه القوى خرجت من هوامش السياسة لتصبح جزءاً من توازنات الحرب والسلم في المنطقة.
اليمن يقدم أحد أبرز الأمثلة على هذا التحول. فالحركة التي نشأت في جبال الشمال تحولت مع مرور الوقت إلى قوة عسكرية تمتلك قدرة واضحة على التأثير في البحر الأحمر، أحد أهم الممرات البحرية في العالم. العمليات التي استهدفت السفن المرتبطة بإسرائيل أو المتجهة إلى موانئها أحدثت اضطراباً في حركة التجارة الدولية، وأجبرت شركات الشحن الكبرى على تغيير مساراتها نحو طرق أطول وأكثر كلفة.
هذه التطورات كشفت أن الصراع في الشرق الأوسط لم يعد محصوراً في حدود الدول. فالحرب أصبحت شبكة واسعة من المواجهات غير المباشرة، حيث تتحرك القوى الإقليمية عبر تحالفات مع أطراف محلية. وفي قلب هذه المعادلة تقف إيران التي تنظر إلى هذه الشبكة باعتبارها جزءاً من توازن استراتيجي في مواجهة التفوق العسكري الإسرائيلي والدعم الأمريكي الواسع له.
في المقابل ترى الولايات المتحدة وإسرائيل أن هذا النفوذ يمثل تحدياً مباشراً لمصالحهما في المنطقة. ومن هنا يتصاعد التوتر بين الطرفين في أكثر من ساحة، أحياناً عبر ضربات محدودة وأحياناً عبر رسائل عسكرية محسوبة.
وسط هذا المناخ المتوتر جاء هجوم السابع من أكتوبر، ففتح الباب أمام واحدة من أعنف الحروب التي شهدتها غزة في تاريخها. العملية قلبت كثيراً من الحسابات السياسية وأعادت القضية الفلسطينية إلى مركز الاهتمام الدولي بعد سنوات من التراجع. لكن الحرب التي تلتها كشفت أيضاً حجم الفجوة في موازين القوة، وحجم المعاناة التي تتحملها الشعوب حين تتحول أرضها إلى ساحة صراع.
هذه اللحظة أعادت طرح سؤال قديم حول طبيعة النظام الدولي. فالعالم اليوم يقوم على توازن بين قوى كبرى تمتلك القوة العسكرية والاقتصادية والإعلامية، وبين مناطق أخرى تتحول في كثير من الأحيان إلى مسارح للصراعات. الشرق الأوسط كان دائماً في قلب هذه المعادلة، ليس فقط بسبب ثرواته الطبيعية، بل أيضاً بسبب موقعه الجغرافي الذي يربط بين القارات.
التاريخ القريب يقدم مثالاً مختلفاً. في عام 1973 استخدمت الدول العربية سلاح النفط بطريقة قلبت الحسابات السياسية في الغرب، وأظهرت أن امتلاك أوراق القوة يمكن أن يغير موازين السياسة الدولية. تلك اللحظة بقيت في الذاكرة بوصفها دليلاً على أن ميزان القوة ليس ثابتاً دائماً.
اليوم تبدو المنطقة مرة أخرى أمام مرحلة انتقالية. إسرائيل تواجه ضغوطاً أمنية متزايدة على أكثر من جبهة، وإيران تحاول تثبيت موقعها الإقليمي رغم العقوبات والضغوط، بينما تحاول دول عربية كثيرة تجنب الانجرار إلى حرب شاملة قد تكون نتائجها مدمرة للجميع.
غير أن أخطر ما في اللحظة الراهنة هو أن خطوط التماس أصبحت كثيرة ومتداخلة. أي حادث صغير يمكن أن يفتح جبهة جديدة. ومع وجود أسلحة متطورة وقدرات صاروخية بعيدة المدى، تصبح إمكانية توسع الحرب احتمالاً قائماً في كل لحظة.
الشرق الأوسط يعيش الآن زمن التحولات الكبرى. الحرب التي بدأت في زاوية من المنطقة سرعان ما امتدت إلى زوايا أخرى، وكأن النار وجدت طريقها بين خرائط السياسة والجغرافيا. في مثل هذه اللحظات لا يكون السؤال متى تبدأ الحرب، بل إلى أين يمكن أن تصل.
والأيام القادمة وحدها ستكشف ما إذا كانت هذه النار ستبقى ضمن حدود الصراع القائم، أم أنها ستفتح فصلاً جديداً أكثر قسوة في تاريخ هذه المنطقة التي لم تعرف طويلاً معنى الهدوء الكامل.