د. فاضل حسن شريف
جاء في تفسير الميزان للسيد الطباطبائي: قوله تعالى عن الكرسي “اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ ۚ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ ۚ لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۗ مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِندَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ ۚ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ ۖ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ ۚ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ۖ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا ۚ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ” (البقرة 255) قوله تعالى: “الله لا إله إلا هو الحي القيوم” (البقرة 255)، قد تقدم في سورة الحمد بعض الكلام في لفظ الجلالة، وأنه سواء أخذ من أله الرجل بمعنى تاه ووله أومن أله بمعنى عبد فلازم معناه الذات المستجمع لجميع صفات الكمال على سبيل التلميح. وقد تقدم بعض الكلام في قوله تعالى: لا إله إلا هو، في قوله تعالى: “وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ” (البقرة 163)، وضمير هو وإن رجع إلى اسم الجلالة لكن اسم الجلالة لما كان علما بالغلبة يدل على نفس الذات من حيث إنه ذات وإن كان مشتملا على بعض المعاني الوصفية التي يلمح باللام أو بالإطلاق إليها، فقوله: لا إله إلا هو، يدل على نفي حق الثبوت عن الآلهة التي تثبت من دون الله. وأما اسم الحي فمعناه ذو الحياة الثابتة على وزان سائر الصفات المشبهة في دلالتها على الدوام والثبات. والناس في بادئ مطالعتهم لحال الموجودات وجدوها على قسمين: قسم منها لا يختلف حاله عند الحس ما دام وجوده ثابتا كالأحجار وسائر الجمادات، وقسم منها ربما تغيرت حاله وتعطلت قواه وأفعاله مع بقاء وجودها على ما كان عليه عند الحس، وذلك كالإنسان وسائر أقسام الحيوان والنبات فإنا ربما نجدها تعطلت قواها ومشاعرها وأفعالها ثم يطرأ عليها الفساد تدريجا، وبذلك أذعن الإنسان بأن هناك وراء الحواس أمرا آخر هو المبدأ للإحساسات والإدراكات العلمية والأفعال المبتنية على العلم والإرادة وهو المسمى بالحياة ويسمى بطلانه بالموت، فالحياة نحو وجود يترشح عنه العلم والقدرة. وقد ذكر الله سبحانه هذه الحياة في كلامه ذكر تقرير لها، قال تعالى: “اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا ” (الحديد 17)، وقال تعالى: “أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِ الْمَوْتَى” (فصلت 39)، وقال تعالى: “وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ” (فاطر 22)، وقال تعالى: “وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ” (الأنبياء 30)، فهذه تشمل حياة أقسام الحي من الإنسان والحيوان والنبات. وكذلك القول في أقسام الحياة، قال تعالى: “وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا” (يونس 7)، وقال تعالى: “رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ” (غافر 11)، والإحياءان المذكوران يشتملان على حياتين: إحداهما: الحياة البرزخية، والثانية: الحياة الآخرة، فللحياة أقسام كما للحي أقسام.
وعن الحياة الدنيا يقول العلامة السيد الطباطبائي في تفسير آية الكرسي: وقد ذكر الله سبحانه هذه الحياة في كلامه ذكر تقرير لها، قال تعالى: “اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا ” (الحديد 17)، وقال تعالى: “أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِ الْمَوْتَى” (فصلت 39)، وقال تعالى: “وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ” (فاطر 22)، وقال تعالى: “وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ” (الأنبياء 30)، فهذه تشمل حياة أقسام الحي من الإنسان والحيوان والنبات. وكذلك القول في أقسام الحياة، قال تعالى: “وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا” (يونس 7)، وقال تعالى: “رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ” (غافر 11)، والإحياءان المذكوران يشتملان على حياتين: إحداهما: الحياة البرزخية، والثانية: الحياة الآخرة، فللحياة أقسام كما للحي أقسام. والله سبحانه مع ما يقرر هذه الحياة الدنيا يعدها في مواضع كثيرة من كلامه شيئا رديا هينا لا يعبأ بشأنه كقوله تعالى: “وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مَتَاعٌ” (الرعد 26)، وقوله تعالى: “تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا” (النساء 94)، وقوله تعالى: “تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا” (الكهف 28)، وقوله تعالى: “وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ” (الأنعام 32)، وقوله تعالى: “وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ” (آل عمران 185)، فوصف الحياة الدنيا بهذه الأوصاف فعدها متاعا والمتاع ما يقصد لغيره، وعدها عرضا والعرض ما يتعرض ثم يزول، وعدها زينة و الزينة هو الجمال الذي يضم على الشيء ليقصد الشيء لأجله فيقع غير ما قصد ويقصد غير ما وقع، وعدها لهوا و اللهو ما يلهيك ويشغلك بنفسه عما يهمك، وعدها لعبا واللعب هو الفعل الذي يصدر لغاية خيالية لا حقيقية، وعدها متاع الغرور وهوما يغر به الإنسان. ويفسر جميع هذه الآيات ويوضحها قوله تعالى: “وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ” (العنكبوت 64)، يبين أن الحياة الدنيا إنما تسلب عنها حقيقة الحياة أي كمالها في مقابل ما تثبت للحياة الآخرة حقيقة الحياة وكمالها، وهي الحياة التي لا موت بعدها، قال تعالى: “آمِنِينَ * لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى” (الدخان 55-56)، وقال تعالى: “لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ” (ق 35)، فلهم في حياتهم الآخرة أن لا يعتريهم الموت، ولا يعترضهم نقص في العيش وتنغص، لكن الأول من الوصفين أعني الأمن هو الخاصة الحقيقة للحياة الضرورية له.
وعن حياة الآخرة جاء في تفسير الميزان للسيد الطباطبائي: في آيات أخر كثيرة أنه تعالى هو المفيض للحياة الحقيقية الأخروية والمحيي للإنسان في الآخرة، وبيده تعالى أزمة الأمور، فأفاد ذلك أن الحياة الأخروية أيضا مملوكة لا مالكة ومسخرة لا مطلقة أعني أنها إنما ملكت خاصتها المذكورة بالله لا بنفسها. ومن هنا يظهر أن الحياة الحقيقية يجب أن تكون بحيث يستحيل طرو الموت عليها لذاتها ولا يتصور ذلك إلا بكون الحياة عين ذات الحي غير عارضة لها ولا طارئة عليها بتمليك الغير وإفاضته، قال تعالى: “وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ ” (الفرقان 58)، وعلى هذا فالحياة الحقيقية هي الحياة الواجبة، وهي كون وجوده بحيث يعلم ويقدر بالذات. ومن هنا يعلم: أن القصر في قوله تعالى: ” هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ” (غافر 65) قصر حقيقي غير إضافي، وأن حقيقة الحياة التي لا يشوبها موت ولا يعتريها فناء وزوال هي حياته تعالى. فالأوفق فيما نحن فيه من قوله تعالى: “الله لا إله إلا هو الحي القيوم” (البقرة 255) الآية، وكذا في قوله تعالى: “الم * اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ” (آل عمران 1-2) أن يكون لفظ الحي خبرا بعد خبر فيفيد الحصر لأن التقدير، الله الحي فالآية تفيد أن الحياة لله محضا إلا ما أفاضه لغيره. وأما اسم القيوم فهو على ما قيل: فيعول كالقيام فيعال من القيام وصف يدل على المبالغة و القيام هو حفظ الشيء وفعله وتدبيره وتربيته والمراقبة عليه والقدرة عليه، كل ذلك مأخوذ من القيام بمعنى الانتصاب للملازمة العادية بين الانتصاب وبين كل منها. وقد أثبت الله تعالى أصل القيام بأمور خلقه لنفسه في كلامه حيث قال تعالى: “أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَت” (الرعد 33)، وقال تعالى وهو أشمل من الآية السابقة: “شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ” (آل عمران 18)، فأفاد أنه قائم على الموجودات بالعدل فلا يعطي ولا يمنع شيئا في الوجود وليس الوجود إلا الإعطاء والمنع إلا بالعدل بإعطاء كل شيء ما يستحقه ثم بين أن هذا القيام بالعدل مقتضى اسميه الكريمين: العزيز الحكيم فبعزته يقوم على كل شيء وبحكمته يعدل فيه. وبالجملة لما كان تعالى هو المبدئ الذي يبتدي منه وجود كل شيء وأوصافه وآثاره لا مبدأ سواه إلا وهو ينتهي إليه، فهو القائم على كل شيء من كل جهة بحقيقة القيام الذي لا يشوبه فتور وخلل، وليس ذلك لغيره قط إلا بإذنه بوجه، فليس له تعالى إلا القيام من غير ضعف وفتور، وليس لغيره إلا أن يقوم به، فهناك حصران: حصر القيام عليه، وحصره على القيام، وأول الحصرين هو الذي يدل عليه كون القيوم في الآية خبرا بعد خبر لله الله القيوم، والحصر الثاني هو الذي تدل عليه الجملة التالية أعني قوله: لا تأخذه سنة ولا نوم. وقد ظهر من هذا البيان أن اسم القيوم أم الأسماء الإضافية الثابتة له تعالى جميعا وهي الأسماء التي تدل على معان خارجة عن الذات بوجه كالخالق والرازق والمبدئ والمعيد والمحيي والمميت والغفور والرحيم والودود وغيرها.
وعن السنة والنوم يقول العلامة السيد الطباطبائي فيتفسيره آية الكرسي: قوله تعالى: “لا تأخذه سنة ولا نوم” (البقرة 255)، السنة بكسر السين الفتور الذي يأخذ الحيوان في أول النوم، والنوم هو الركود الذي يأخذ حواس الحيوان لعوامل طبيعية تحدث في بدنه، والرؤيا غيره وهي ما يشاهده النائم في منامه. وقد أورد على قوله: سنة ولا نوم إنه على خلاف الترتيب الذي تقتضيه البلاغة فإن المقام مقام الترقي، والترقي في الإثبات إنما هومن الأضعف إلى الأقوى كقولنا: فلان يقدر على حمل عشرة أمنان بل عشرين، وفلان يجود بالمئات بل بالألوف وفي النفي بالعكس كما نقول: لا يقدر فلان على حمل عشرين ولا عشرة، ولا يجود بالألوف ولا بالمئات، فكان ينبغي أن يقال: لا تأخذه نوم ولا سنة. والجواب: أن الترتيب المذكور لا يدور مدار الإثبات والنفي دائما كما يقال: فلان يجهده حمل عشرين بل عشرة ولا يصح العكس، بل المراد هو صحة الترقي وهي مختلفة بحسب الموارد، ولما كان أخذ النوم أقوى تأثيرا وأضر على القيومية من السنة كان مقتضى ذلك أن ينفي تأثير السنة وأخذها أولا ثم يترقى إلى نفي تأثير ما هو أقوى منه تأثيرا، ويعود معنى لا تأخذه سنة ولا نوم إلى مثل قولنا: لا يؤثر فيه هذا العامل الضعيف بالفتور في أمره ولا ما هو أقوى منه. قوله تعالى: له ما في السماوات وما في الأرض من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه لما كانت القيومية التامة التي له تعالى لا تتم إلا بأن يملك السماوات والأرض وما فيهما بحقيقة الملك ذكره بعدهما، كما أن التوحيد التام في الألوهية لا يتم إلا بالقيومية، ولذلك ألحقها بها أيضا. وهاتان جملتان كل واحدة منهما مقيدة أو كالمقيدة بقيد في معنى دفع الدخل، أعني قوله تعالى: “له ما في السماوات وما في الأرض” (البقرة 255)، مع قوله تعالى: “من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه” (البقرة 255)، وقوله تعالى: “يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم”، مع قوله تعالى: “ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء”. فأما قوله تعالى: “له ما في السماوات وما في الأرض” (البقرة 255)، فقد عرفت معنى ملكه تعالى بالكسر للموجودات وملكه تعالى بالضم لها، والملك بكسر الميم وهو قيام ذوات الموجودات وما يتبعها من الأوصاف والآثار بالله سبحانه هو الذي يدل عليه قوله تعالى: له ما في السماوات وما في الأرض، فالجملة تدل على ملك الذات وما يتبع الذات من نظام الآثار. وقد تم بقوله: “القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم له ما في السماوات وما في الأرض” (البقرة 255)إن السلطان المطلق في الوجود لله سبحانه لا تصرف إلا وهوله ومنه، فيقع من ذلك في الوهم أنه إذا كان الأمر على ذلك فهذه الأسباب والعلل الموجودة في العالم ما شأنها؟ وكيف يتصور فيها ومنها التأثير ولا تأثير إلا لله سبحانه؟ فأجيب بأن تصرف هذه العلل والأسباب في هذه الموجودات المعلولة توسط في التصرف، وبعبارة أخرى شفاعة في موارد المسببات بإذن الله سبحانه، فإنما هي شفعاء، والشفاعة – وهي بنحو توسط في إيصال الخير أو دفع الشر، وتصرف ما من الشفيع في أمر المستشفع – إنما تنافي السلطان الإلهي والتصرف الربوبي المطلق إذا لم ينته إلى إذن الله، ولم يعتمد على مشية الله تعالى بل كانت مستقلة غير مرتبطة وما من سبب من الأسباب ولا علة من العلل إلا وتأثيره بالله ونحو تصرفه بإذن الله، فتأثيره وتصرفه نحو من تأثيره وتصرفه تعالى فلا سلطان في الوجود إلا سلطانه ولا قيومية إلا قيوميته المطلقة عز سلطانه.