د. فاضل حسن شريف
جاء في کتاب الإخوة الإيمانية من منظور الثقلين للسيد محمد باقر الحكيم: ولاء الأخوة: و هنا يطرح سؤال: هل أنّ جعل المؤمن أخا للمؤمن يعني تحويل هذه العلاقة الدينية إلى علاقة رحمية، يترتب عليها جميع ما يترتب على العلاقة الرحمية من آثار، و من ثم فيتعصب المؤمن لأخيه المؤمن كما يتعصب لرحمه، و يصله كما يصل رحمه، و يرثه كما يرث الأخ أخاه، إلى غير ذلك مما يترتب على العلاقات الرحميه، أو أنّ هذه العلاقة أقيمت على أساس آخر؟ يبدو من القرآن الكريم أن هذه العلاقة أقيمت على أساس (الولاء)، كما أشير إلى ذلك في الآية الكريمة: “وَ الْمُؤْمِنُونَ وَ الْمُؤْمِناتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَ يَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَ يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَ يُطِيعُونَ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ أُولئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ” (التوبة 71)، و هذا المعنى من العلاقة أشير له في آيات عديدة في القرآن الكريم، يمكن للأخوة لأعزاء متابعتها من خلال معاجم الآيات القرآنية، و مثل قوله تعالى: “إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَ رَسُولُهُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَ يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَ هُمْ راكِعُونَ * وَ مَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغالِبُونَ” (المائدة 55-56)، حيث تفترض هذه الآية بانّ العلاقات بين المؤمنين تشكل حالة (الحزب) الذي ينتمي إلى اللّه سبحانه و تعالى، و أساسها هو الولاء للّه و لرسوله و للمؤمنين، و هنا لا بد أن نفحص موضوع الولاء و نرى ما ذا يعني ولاء المؤمن للمؤمن، و ما هو محتوى علاقة الولاء؟
جاء في علوم القرآن للسيد محمد باقر الحكيم: أن هناك نصوصا وقرائن تأريخية تدل على عدم ورود أسماء الأئمة في القرآن الكريم بشكل صريح. ومن هذه القرائن حديث الغدير، حيث نعرف منه أن الظروف التي أحاطت بقضية الغدير تنفي أن يكون هناك تصريح من القرآن باسم علي عليه السلام، وإلا فلماذا يحتاج النبي صلى الله عليه وآله إلى تأكيد بيعة علي عليه السلام، وحشد هذا الجمع الكبير من المسلمين من اجل ذلك، بل لماذا يخشى الرسول الناس في إظهار هذه البيعة إذا كان قد صرح القرآن بتسميته ومدحه، الامر الذي أدى إلى أن يؤكد القرآن الكريم عصمة الله له من الناس في قوله تعالى: “يا أيها الرسول بلغ ما انزل إليك من ربك وان لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس” (المائدة 67). ومن هذه القرائن أيضا: ان التأريخ لم يحدثنا أن عليا أو أحدا من أصحابه احتج لامامته بذكر القرآن لاسمه، مع أنهم احتجوا على ذلك بأدلة مختلفة، ولا يمكن ان نتصور اهمال هذا الدليل لو كان موجودا. ومن هذه القرائن هذا النص الذي يتحدث عن عدم وجوداسم علي في القرآن: (عن أبي بصير قال سألت أبا عبد الله عليه السلام عن قول الله عز وجل: “أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الامر منكم” (النساء 59) فقال: نزلت في علي بن أبي طالب والحسن والحسين عليهم السلام فقلت له: إن الناس يقولون: فما له لم يسم عليا وأهل بيته عليهم السلام في كتاب الله عز وجل؟ قال: فقال: قولوا لهم: إن رسول الله صلى الله عليه وآله نزلت عليه الصلاة ولم يسم الله لهم ثلاثا واربعا حتى كان رسول الله صلى الله عليه وآله هو الذي فسر ذلك لهم، ونزلت عليه الزكاة ولم يسم لهم من كل أربعين درهما درهم.). وهذا الحديث يكون واضحا للمعنى المراد من الأحاديث التي ساقتها الشبهة ومقدما عليها لأنه يقف منها موقف المفسر وينظر إلى موضوعها ويوضح عدم ذكر القرآن لاسماء الأئمة صريحا.
قال الله تعالى “لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ” (المائدة 73) جاء في موقع شبكة فجر الثقافية عن الاختلاف و الوحدة في نظر القرآن الكريم (4) للسيد محمد باقر الحكيم: الإيمان بالله الواحد، والوحي الإلهي، واليوم الآخر، والكتب والرسالات، حيث يمثل هذا الإيمان الأساس المشترك لهذه الديانات كلها. وبالرغم من الإشارات القرآنية إلى وجود الانحراف عن هذا الأصل في بعض هذه الديانات ـ بحيث عبر عنه القرآن الكريم بـ(الكفر) ـ ولكن يبدو أن تقويم القرآن الكريم لهذا الكفر والشرك لم يكن بالدرجة التي تؤدي إلى القطيعة والانفصال، ولعل ذلك ـ والله أعلم ـ ينطلق من: أن هذا النوع من الكفر والشرك ليس بالدرجة العالية من الانحراف، لأنه كفر وشرك يرتبط بتصور الذات الإلهية تصوراً منحرفاً، أو الغلو في فهم بعض أفراد الأنبياء والصعود بدرجاتهم إلى مستوى يجعلهم يمثلون امتداداً لله الواحد نفسه، كما يبدو ذلك في تصور بعض طوائف النصارى للمسيح وأمه، بحيث تصبح الذات الإلهية ذات أبعاد ثلاثة، أو مراحل ثلاثة تشبه المراحل التي يمر بها بعض الموجودات البشرية أو المادية مثل: (الأب، والابن، وروح القدس): “لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة” “وقالت اليهود عزير ابن الله” “وقالت النصارى المسيح ابن الله”. ويبدو أن القرآن الكريم لم يستخدم كلمة (الشرك) و(المشركين) من أهل الكتاب، بل وضع (الذين أشركوا) في مقابل أهل الكتاب، بالرغم من انتقاد القرآن الشديد لأهل الكتاب أحياناً، ووضعهم إلى صف المشركين في إدانتهم والمصير الذي سوف ينتهون إليه أحيانا أخرى. “إن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين في نار جهنم خالدين فيها أولئك هم شر البرية” (البينة 6). كما أنه قرنهم في أول السورة. “ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين أن ينزل عليكم من خير من ربكم والله يختص برحمته من يشاء والله ذو الفضل العظيم” (البقرة 105). ويبدو من سياق الآيات في بعض الموارد من الآية السابقة وغيرها ومن التصريح في بعض الموارد الأخرى وجود الفرق بين أهل الكتاب أنفسهم من اليهود والنصارى، حيث اصطف اليهود إلى جانب، فكانوا أشد الناس عداوة وإيذاءً للمسلمين، شأنهم في ذلك شأن المشركين على خلاف النصارى الذين فيهم القسيسون والرهبان. “لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا وأنهم لا يستكبرون * وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق يقولون ربنا آمنا فاكتبنا مع الشاهدين” (المائدة 82-83). “ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك إلاّ ما دمت عليه قائماً ذلك بأنهم قالوا ليس علينا في الأميين سبيل ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون” (آل عمران 75). “ودت طائفة من أهل الكتاب لو يضلونكم وما يضلون إلاّ أنفسهم وما يشعرون”. وبعد أن يستعرض القرآن الكريم مواقف طوائف أهل الكتاب وانحرافاتهم وما يجب على المسلمين من مواقف تجاههم يختم هذا المقطع بقوله تعالى: “ليسوا سواء من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله اناء الليل وهم يسجدون * يؤمنون بالله واليوم الآخر ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويسارعون في الخيرات وأولئك من الصالحين * وما يفعلوا من خير فلن يكفروه والله عليم بالمتقين” (آل عمران 113–115). وانطلاقاً من هذا التصور نجد القرآن الكريم يدعو أهل الكتاب إلى كلمة التوحيد باعتبارها الكلمة الجامعة، والتي تمثل القاسم المشترك بينهم وبين المسلمين. “قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم إلاّ نعبد إلاّ الله ولا نشرك به شيئاً ولا يتخذ بعضنا بعضاً أرباباً من دون الله فإن تولوا فقولوا أشهدوا بأنا مسلمون” (آل عمران 64). كما نلاحظ القرآن الكريم يضع أهل الكتاب بأصنافهم المتعددة في صفٍ واحدٍ مع المسلمين في النهايات، وذلك انطلاقاً من هذه الرؤية الواقعية، والتمييز بين بعضهم والبعض الآخر، ويضع قضية الإيمان بالله واليوم الآخر والعمل الصالح أساساً لذلك. “إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحاً فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون”.
جاء في كتاب علوم القرآن للسيد محمد باقر الحكيم: تحرير القرآن للانسان من عبودية الشهوة: كما حرر القرآن عقيدة الانسان من الوثنية وعقله من الخرافة كذلك حرر إرادته من سيطرة الشهوة، فصار الانسان المسلم نتيجة لتربية القرآن له قادرا على مقاومة شهواته وضبطها والصمود في وجه الاغراء وألوان الهوى المتنوعة، وفيما يلي نموذج قرآني من نماذج تغذية هذا الصمود وتركيزه في نفوس المسلمين: قال الله تعالى: “زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والانعام والحرث ذلك متاع الحياة الدنيا والله عنده حسن المآب * قل أؤنبئكم بخير من ذلكم للذين اتقوا عند ربهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وأزواج مطهرة ورضوان من الله والله بصير بالعباد” (ال عمران 14-15). بهذا وغيره من نماذج التربية والترويض استطاع القرآن والاسلام ان يحررا الانسان من العبودية لشهواته الداخلية التي تختلج في نفسه، لتصبح الشهوة اداة تنبيه للانسان إلى ما يشتهيه، لا قوة دافعة تسخر إرادة الانسان دون ان يملك بإزائها حولا أو طولا، وقد اطلق الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله على عملية تحرير الانسان هذه من شهواته الداخلية اسم (الجهاد الأكبر). وإذا لاحظنا قصة تحريم الخمر في الاسلام استطعنا أن ندرك من خلال هذا المثال مدى نجاح القرآن في تحرير الانسان المسلم من أسر الشهوة وتنمية إرادته وصموده ضدها، فقد كان العرب في الجاهلية مولعين بشرب الخمر معتادين عليها، حتى أصبح ضرورة من ضرورات الحياة بحكم العادة والألفة، وشغلت الخمر جانبا كبيرا من شعرهم وتأريخهم وأدبهم، وكثرت أسماؤها وصفاتها في لغتهم، وكانت حوانيت الخمارين مفتوحة دائما ترفرف عليها الاعلام، وكان من شيوع تجارة الخمر أن أصبحت كلمة التجارة مرادفة لبيع الخمر في مثل هذا الشعب المغرم بالخمر نزل القرآن الكريم بقوله تعالى: “يا أيها الذين آمنوا انما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون” (المائدة 90). فما قال القرآن (اجتنبوه) الا وانطلق المسلمون إلى زقاق خمورهم يشقونها بالمدي والسكاكين يريقون ما فيها، يفتشون في بيوتهم لعلهم يجدون بقية من خمر فاتهم ان يريقوها، وتحولت الأمة القرآنية في لحظة إلى أمة تحارب الخمر وتترفع عن استعماله، كل ذلك حدث لان الأمة كانت مالكة لارادتها، (حرة) في مقابل شهواتها، قادرة على الصمود امام دوافعها الحيوانية، وأن تقول بكل صرامة وجد حين يدعو الموقف إلى ذلك، وبكلمة مختصرة كانت تتمتع (بحرية (حقيقية) تسمح لها بالتحكم في سلوكها). وفي مقابل تلك التجربة الناجحة التي مارسها القرآن الكريم لتحريم الخمر نجد أن أرقي شعوب العالم الغربي مدنية وثقافة في هذا العصر فشل في تجربة مماثلة، فقد حاولت الولايات المتحدة الأميركية في القرن العشرين أن تخلص شعبها من مضار الخمر فشرعت في سنة (1920) قانونا لتحريم الخمر، ومهدت لهذا القانون بدعاية واسعة عن طريق السينما والتمثيل والإذاعة ونشر الكتب والرسائل، وكلها تبين مضار الخمر مدعومة بالاحصائيات الدقيقة والدراسات الطبية. وقد قدر ما أنفق على هذه الدعاية (65) مليونا من الدولارات، وسودت تسعة آلاف مليون صفحة في بيان مضار الخمر والزجر عنها، ودلت الاحصائيات للمدة الواقعة بين تأريخ تشريعه وبين تشرين الأول (1933) أنه قتل في سبيل تنفيذ هذا القانون مائتا نسمة، وحبس نصف مليون نسمة، وغرم المخالفون له غرامات تبلغ مليونا ونصف المليون من الدولارات، وصودرت أموال بسبب مخالفته تقدر بأربعمائة مليون دولار، وأخيرا اضطرت الحكومة الأميركية إلى الغاء قانون التحريم في أواخر سنة (1933)، وفشلت التجربة. والسبب في ذلك أن الحضارات الغربية بالرغم من مناداتها بالحرية لم تستطع بل لم تحاول ان تمنح الانسان الغربي (الحرية الحقيقية) التي حققها القرآن الكريم للانسان المسلم، وهي حريته في مقابل شهواته وامتلاكه لإرادته امام دوافعه الحيوانية، فقد ظنت الحضارات الغربية أن (الحرية) هي ان يقال للانسان: اسلك كما تشاء وتصرف كما تريد، وتركت لأجل ذلك معركة التحرير الداخلي للانسان من سيطرة تلك الشهوات والدوافع، فظل الانسان الغربي أسير شهواته عاجزا عن امتلاك ارادته والتغلب على نزعاته، بالرغم من كل ما وصل إليه من علم وثقافة ومدنية.