الذاكرة التي أنهكتها الحروب
كتب رياض الفرطوسي
الحروب لا تنتهي حين تتوقف الصواريخ عن الاطلاق .
هي فقط تغيّر مكانها. تخرج من السماء وتدخل إلى الرؤوس.
لهذا قال الفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه إن من يحدّق طويلاً في الهاوية، تبدأ الهاوية بالنظر إليه. الحرب هي تلك الهاوية. لا يخرج منها أحد كما دخلها، حتى لو عاد بجسد سليم.
ليست المشكلة في عدد القتلى فقط، بل في الخراب غير المرئي الذي يتسلل إلى المعاني. بعد كل حرب يتغير معنى أشياء كثيرة.
البيت لم يعد بيتاً تماماً، الشارع لم يعد مجرد شارع، وحتى كلمة مثل “الغد” تصبح كلمة مشبوهة.
الكاتب الروسي ليو تولستوي فهم هذه الحقيقة باكراً في روايته الحرب والسلام. لم يكتب عن المعارك بقدر ما كتب عن ارتباك الروح البشرية عندما تكتشف أن العالم الذي كانت تثق به يمكن أن يتحطم في لحظة. كان أبطاله يخرجون من الحرب وهم يشعرون أنهم فقدوا شيئاً لا يعرفون اسمه. ليس الوطن، ولا الأصدقاء، بل الإحساس القديم بالحياة.
الحرب تغيّر طريقة رؤية الأشياء.
حتى الضوء يصبح مختلفاً.
الروائي البريطاني جورج أورويل كتب في مذكراته عن الحرب الأهلية الإسبانية تحية إلى كتالونيا أن أخطر ما تفعله الحرب ليس القتل، بل تعويد الإنسان على رؤية القتل. عندما يصبح العنف منظراً عادياً، يبدأ شيء ما في الداخل بالتحجر.
هناك لحظة في حياة الشعوب تصبح فيها المأساة مألوفة.
في تلك اللحظة يتوقف الناس عن الصدمة.
الأديب التشيكي ميلان كونديرا وصف هذه الحالة في روايته كائن لا تحتمل خفته عندما تحدث عن الشعوب التي تعيش تحت ضغط التاريخ. قال إن الإنسان حين يثقل عليه الواقع إلى هذا الحد، يبحث عن خفة ما، أي طريقة ليتحمل العبء. أحياناً تكون تلك الخفة هي السخرية.
السخرية ليست شجاعة دائماً.
أحياناً تكون درعاً هشاً ضد الجنون.
كثير من المجتمعات التي عاشت الحروب الطويلة طورت هذا السلاح الغريب. النكتة السوداء. الضحك في حضرة الموت. ليس لأن الموت مضحك، بل لأن العقل يحتاج إلى حيلة كي لا ينهار.
في الحرب العالمية الثانية كتب الصحفي الأمريكي جون هيرسي كتابه الشهير هيروشيما عن المدينة بعد القنبلة الذرية. ما فاجأه لم يكن الدمار فقط، بل سرعة عودة الناس إلى تفاصيل الحياة الصغيرة. امرأة تنظف بيتاً نصفه مهدّم، رجل يبحث عن دراجته بين الركام، طفل يسأل عن مدرسته التي لم تعد موجودة. الحياة تحاول أن تستمر حتى فوق الرماد.
لكن استمرار الحياة لا يعني شفاء الذاكرة.
الذاكرة مثل مدينة قديمة.
كل حرب تضيف إليها طبقة جديدة من الأنقاض.
في كثير من الدول التي مرت بالحروب، حدث شيء آخر بعد انتهاء القتال. بدأت مراجعة قاسية للذات. في ألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية، ظهر جيل كامل من الأدباء يحاكم الماضي، مثل الكاتب غونتر غراس في روايته طبل الصفيح. لم يكن الهدف كتابة الأدب فقط، بل إعادة بناء الضمير.
الحرب هناك لم تُدفن في الماضي، بل وُضعت تحت المجهر.
لكن في أماكن أخرى يحدث العكس تماماً.
لا تتغير اللغة رغم كل ما يحدث.
اللغة هي أخطر ما في الأمر.
حين تبقى المفردات القديمة كما هي، تبقى معها طرق التفكير نفسها. وكأن الزمن توقف عند لحظة بعيدة.
الإنسان يستطيع أن يرمم الجدران بسرعة، لكنه يحتاج عقوداً كي يرمم المعاني.
لهذا نجد مفارقة غريبة في بعض المجتمعات التي عاشت الحروب المتتالية. الخراب واضح في المدن، لكن الأفكار القديمة ما زالت تتحرك بثقة داخل الرؤوس. كأن التاريخ يمر فوق الأرض دون أن يمر داخل العقول.
الشاعر الأمريكي تشارلز بوكوفسكي كتب مرة جملة قاسية:
“العالم لا يدمره الشر بقدر ما يدمره الاعتياد عليه”.
الاعتياد هو الخطر الحقيقي.
حين تتحول الصواريخ إلى خبر يومي، وحين يصبح صوت الانفجار جزءاً من ضجيج المدينة، يبدأ نوع غريب من البلادة بالتشكل. ليس شجاعة، بل إرهاق عاطفي طويل.
في مثل هذه اللحظات يصبح الإنسان كمن يعيش في بيت يهتز باستمرار. بعد فترة يتوقف عن الالتفات إلى الاهتزاز.
لكن الذاكرة لا تنسى.
القنابل لا تسقط فقط على المباني.
هي تسقط أيضاً على اللغة، على الذكريات، على الأغاني القديمة التي كان الناس يسمعونها في طفولتهم.
الحرب تسرق من الإنسان قدرته على الدهشة.
لهذا يبدو السؤال الحقيقي بعد كل كارثة بسيطاً وصعباً في آن واحد:
كيف يمكن استعادة الإحساس بالحياة؟
ليست الإجابة في النسيان، لأن النسيان مستحيل.
وليست في الهروب إلى الماضي، لأن الماضي بدوره مليء بالركام.
الطريق الوحيد ربما هو ما فعله الأدب دائماً، تحويل الألم إلى معنى.
حين يتحول الجرح إلى قصة، يصبح أقل قسوة قليلاً.
ولهذا ربما كان الأدب أحد أشكال النجاة النادرة في تاريخ البشر. ليس لأنه يوقف الحروب، بل لأنه يمنع الروح من التحول إلى حجر.
فالحرب حين تنتهي في الخارج، تبدأ معركة أخرى في الداخل.
ومعركة الداخل، كما يعرف التاريخ، هي الأطول.