حين يُختار الملح الفاسد… حكاية مدينة تشبه العراق

ضياء ابو معارج الدراجي

يُحكى أن مدينةً عريقة على ضفاف النهرين، عرفت عبر تاريخها كيف تحفظ خيراتها وتصون أقواتها، حتى جاء عليها زمنٌ غريب، بدأت فيه المخازن تفسد، والروائح تنتشر، والناس تشتكي من تعفّن اللحم وتلف الحبوب. اجتمع القادة، وبعد نقاش طويل قالوا: “لا يقطع دابر العفن إلا الملح، فهو الحافظ الذي لا يخون”.

بحثت المدينة عن رجلٍ أمين، وأسندت إليه أعظم مهمة: “خزانة الملح”. لم يكن منصبًا عاديًا، بل كان مفتاح بقاء المدينة. ألبسوه لقب “حامي الملاح”، وفتحوا له أبواب القصر، حيث تلال الملح الأبيض الناصع.

لكن ما إن دخل، حتى اكتشف الحقيقة التي لم يكن أحد يجرؤ على قولها: الملح لم يعد نقيًا. والقادة الذين كلفوه صاروا يخلطونه بالتراب، يسرقون الجيد، ويبيعونه في الأسواق السوداء، ويتركون للناس ما لا ينفع ولا يحفظ.

وقف حامي الملاح أمام خيارين: أن يواجه، أو أن يساير. أن ينظف الخزانة، أو يحمي كرسيه. فاختار الطريق الأسهل. لم يُحاسب أحدًا، بل بدأ يوقّع الأختام الرسمية على أن التراب ملح فاخر، وشيئًا فشيئًا صار الغش قانونًا، وصارت الحقيقة تُقلب على رؤوس الناس.

مرّ نيسان، وجاء تموز اللاهب، وكانت الكارثة. فسدت كل المخازن، وتعفّنت اللحوم، وضاعت الحبوب، لأن الملح الذي وُزّع عليها كان مغشوشًا. خرج الناس يصرخون من الجوع، من القهر، من الرائحة التي لم تعد تُحتمل.

وعندما ضاقت به السبل، خرج حامي الملاح بخطابٍ رسمي، قال فيه: ليست المشكلة في الملح، بل في اللحم. وهنا، لم يعد الانهيار في المخازن فقط، بل في العقل الذي يدير المدينة.

سقطت المدينة يوم أدرك أهلها الحقيقة المتأخرة: أن الرجل الذي جاؤوا به ليحفظهم، كان أول من غشّهم. وأن الملح الذي ظنوه خلاصهم، كان بداية نهايتهم.

هذه القصة ليست خيالًا، بل وصف دقيق لما يجري عند كل استحقاق لاختيار مرشح رئاسة الوزراء في العراق.

فمنصب رئيس الوزراء، في جوهره، هو خزانة الملح في الدولة. هو الموقع الذي يفترض أن يحفظ توازنها، ويمنع تعفن مؤسساتها، ويواجه الفساد لا أن يتكيّف معه. لكن ما يحدث في الواقع أن عملية الاختيار نفسها تتم بعكس هذا المنطق تمامًا.

لا يُبحث عن أنقى الملح، بل عن أكثره قابلية للخلط. لا يُقدَّم الأقوى على المواجهة، بل الأكثر قدرة على التعايش مع الفاسدين. لا يُختار من يفتح الملفات، بل من يغلقها بهدوء.

في لحظة الحسم، تجتمع القوى السياسية، لا لتطهير الخزانة، بل لتقاسمها. يُطرح اسم المرشح لا بناءً على مشروعه، بل على ضماناته: لمن سيكون قريبًا؟ من سيغض الطرف عنه؟ من سيحفظ التوازنات حتى لو على حساب الدولة؟

وهكذا، يصل حامي الملاح الجديد إلى القصر، وهو يعلم الحقيقة منذ اليوم الأول. يرى الفساد، يرى التراب في الملح، لكنه مقيد بشبكة المصالح التي جاءت به. فإن واجه، خسر. وإن سكت، بقي. وغالبًا ما يكون القرار معروفًا سلفًا.

ثم تبدأ المرحلة الأخطر: شرعنة الخلل. تتحول الأخطاء إلى سياسات، والفساد إلى استحقاق، والصمت إلى حكمة. ومع مرور الوقت، لا تعود المشكلة في الفاسدين فقط، بل في النظام الذي يحميهم، وفي رأس الهرم الذي يوقّع على بقائهم.

وحين تصل الأزمة إلى ذروتها، وتبدأ الدولة بالتآكل، يخرج الخطاب الرسمي ليعيد نفس الرواية القديمة: المشكلة في الظروف، في الاقتصاد، في الخارج… تمامًا كما قال حامي الملاح إن المشكلة في اللحم لا في الملح.

الحقيقة التي يتجنبها الجميع واضحة: العراق لا يعاني فقط من فساد في الإدارة، بل من فساد في طريقة اختيار من يديرها. وهذه هي العقدة التي إن لم تُكسر، فلن يتغير شيء، مهما تبدلت الأسماء.

لذلك، فإن معركة العراق الحقيقية لا تبدأ بعد تشكيل الحكومة، بل قبلها… في لحظة اختيار المرشح. إما أن يُختار ملح حقيقي قادر على الحفظ، أو سنبقى نكرر نفس الحكاية، وننتظر نتيجة مختلفة.

وفي كل مرة، ستكون النهاية واحدة: مخازن تفسد، ومدينة تدفع الثمن، وشعب يُطلب منه أن يصدق أن المشكلة ليست في الملح… بينما الحقيقة تُصرخ في وجوه الجميع.

ضياء ابو معارج الدراجي